اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات هذا ما أخبرنا إياه المنتصرون!

هذا ما أخبرنا إياه المنتصرون!

0
هذا ما أخبرنا إياه المنتصرون!

أخبرنا المنتصرون أن هناك إلهاً يجلس في السماء، يغضب ويغار وينتقم ويُغرق مخلوقاته، وكأن الكون برمّته ليس سوى مسرح لنوبات غضب إلهيّة، وكأن ما سمي بالخلق لم يكن سوى فخاً، والحياة لم تكن إلا امتحاناً بلا استئذان!

وأخبرونا أن هذا الإله العادل قسّم البشر منذ الأزل إلى شعب مختار وآخر خير أمة، والباقون مجرد كومبارس كافر زنديق مشرك نجس في مسرحية الخلاص!

أخبرنا المنتصرون أن نبيّاً من الصحراء جاء رحمةً للعالمين، ثم قالوا في السطر ذاته إنه قام بنفسه بغزوات قتلٍ وذبحٍ وسبيٍ ونهب؛ فلم يُوضّحوا لنا: هل الرحمة لها استثناءات جغرافية، أم أن السيف أيضاً من أسماء الرحمن؟!
وأخبرونا أنه أمر بقتل بني قريظة عن بكرة أبيهم، وأن هذا كان حكماً إلهياً عادلاً، لا مجزرةً قبليةً على أرض الجزيرة!

أخبرنا المنتصرون أن صحابة النبي ذاته وخلفاءه كانوا نجوم الهداية وسُدُد الحكمة، ثم أضافوا أنهم تقاتلوا فيما بينهم طيلة حياتهم؛
فالطفلة عائشة أمّ المؤمنين قادت جيشاً على ابن عم زوجها، وعلي (الفيلسوف) قاتل طلحة والزبير وهم من بشّرهم نبيهم بالجنة، وخالد بن الوليد”سيف الله المسلول” قتل مالك بن نويرة وطبخ رأسه في جدر واغتصب زوجته، ومعاوية حارب عليّاً سنواتٍ ثم سمّم الحسن ودبّر قتله، والذبح والسبي والغزو وقطع الرؤوس هي سيرتهم رضوان الله عليهم أجمعين!

فرضي الله عن القاتل والمقتول معاً، وعن السابي والمسبي، وعن كل من ثار على إمامه ثم لقي جزاءه بيد صاحبه!

أخبرنا المنتصرون أن الحجاج بن يوسف كان والياً شرعياً يُقيم حدود الله (حدود الغضب) وأجزم من خلال سيرته أنه كان مجرم حرب بامتياز، قصف الكعبة بالمنجنيق، وقتل عشرات الآلاف، وجعل السجن عرضة للسماء حتى مات المعتقلون من البرد والمطر؛ ثم جاء المنتصرون ووضعوه في خانة “رجال الدولة الأقوياء” الذين نفتقر إليهم اليوم!

أخبرنا المنتصرون أن فرعون مصر كان شريراً طاغيةً يستحق الغرق؛ وأكاد أجزم أنه كان ملكاً وطنياً واعياً، استُشهد وهو يلاحق الإرهابي موسى وميليشياته المسلحة عبر حدوده الشرقية، بعد أن نظّموا أنفسهم ونهبوا ذهب مصر وخرجوا في الليل كالصوص؛ ثم كُتبت السيرةُ على يد من عبروا!
ونسي المنتصرون أن يُخبرونا أن موسى نفسه قتل رجلاً مصرياً بيده قبل أن يهرب، وأن أول فعل قيادي له كان جريمة قتل عاديةً سبقت كل الوحي والمعجزات!

أخبرنا المنتصرون أن غزوهم لبلادنا كان فتحاً رحيماً مُباركاً، وأن المجازر التي أقاموها في مدننا وقرانا هي محض “دفاع عن النفس” ورحمة لنا بآن معاً، وبهذا المنطق البهيج، كل جزّار يدافع عن سكّينه أمام عنق الذبيحة! وأنّ الصحابي الجليل عمر الخطاب كان رحمة على المسيحيين، لذلك أعطاهم “العهدة العمرية” التي حرمتهم كل شيء في وطنهم، بل ويمكن رفعة لمقام القمة، قمة الذل!

أخبرنا المنتصرون أن الحروب الصليبية كانت دفاعاً مقدساً عن القبر المقدس وكنسية القيامة التي أحرقها الحاكم بأمر الله المسلم، وأكاد أجزم أنها كانت مشروع نهب استعماري منظّم، افتتحه البابا أوربان الثاني بخطبة ترقيةٍ وظيفية لمن يموت في الطريق، فسال الفقراء الأوروبيون نحو الشرق يذبحون المسيحيين الشرقيين قبل غيرهم، وأقاموا إماراتٍ إقطاعيةً سمّوها مملكة الله، وحين شبعوا من النهب، جلبوا قاطع طريق مجرم اسمه صلاح الدين الأيوبي ليسلّموه الورثة كما فعلوا في الأمس مع طالبان في أفغانستان ثم مع الجولاني في سوريا!
الفاتح المنتصر المجرم السفاح الجولاني، هو قصة مكررة من صلاح الدين الأيوبي، الذي أجرم في المسلمين قبل المسيحيين؛ عدا عن حرقه للمكتبات وغيرها!

أخبرنا المنتصرون أن الانقلابات التي شهدها أجدادنا كانت حركاتٍ تصحيحية، لأن الديمقراطية لم تسِر بالاتجاه الصحيح، فكان لا بدّ من تصحيحها بالدبابة!

أخبرنا المنتصرون أن الإرهاب ثورة، وأن الثورة إرهاب (حسب موقعك من المنتصر)! فبن لادن كان مجاهداً حين كان يقاتل السوفييت بتمويل أمريكي، وصار إرهابياً حين انقلب على ممولّيه، والفرق بين الحالتين ليس الفعل ذاته، بل التوجيه الجغرافي للرصاصة!

ثم تكرر المشهد بشكل عكسي مع الإرهابي الجولاني، فبعد تصنيفه إرهابياً وعرضت المكافآت المليونية لمن يساعد في جلبه، أصبح حليفاً موثوقاً لأعداء الأمس!

أخبرنا المنتصرون (هم ذاتهم) أن التسليم في سوريا تحرير، وأن الخضوع حكمة، وان قتل الفقراء تحت راية “فلول النظام” هو عدالة إنتقالية ضرورية لأجل السلام؛ فبلّغوا السلام لكل من رفع الراية البيضاء وسمّاها دبلوماسية وبرغماتية، ولكل من فتح الأبواب للغريب وسمّاها انفتاحاً، ولكل من باع السيادة وسمّاها تحديثاً!

أخبرنا المنتصرون أن جلب الاحتلالات وتقديم كل الذرائع للتدمير هو فعل مقاومة جبّار وانتصار عظيم على العدو، فأحرقوا البيوت باسم المقاومة، وفتحوا الأبواب للغريب باسم الوحدة الجهادية الخمينية، وباعوا المستقبل باسم العقيدة، ثم زغردوا على الأطلال!

حتى أصحاب المشاعر المشلّخة أخبرونا أن الذئب الشرير هو من اعتدى على ليلى، وأكاد أجزم أنها كانت نسويةً شرسة هي من قامت باغتصاب الذئب، ثم ذبحته وشوته على الحطب، وكتبت عن التجربة قصيدةً نثريةً تُرجمت إلى سبع عشرة لغة وفازت بجائزة دولية في أدب المظلومية؛ ثم أخبرونا أن الذئب كان يمثّل الأبوية، وأن الغابة كانت نظاماً ذكورياً، وأن جدّة ليلى لم تُؤكَل بل تحرّرت!

هذا ما أخبرنا إياه المنتصرون!
وبقينا نصفق لهم لأنهم علّمونا أن التصفيق أيضاً شكل من أشكال المقاومة!
وأن الصمت فضيلة!
وأن من يسأل متآمر!
وأن من يشكّك كافر!
وأن من يرفض مجنون!
وهكذا ورثنا العقول مُقيَّدة، والتاريخ مُزوّراً، والمستقبل مرهوناً لرواية المنتصر القادم!