
ما أشبه الشام اليوم بجسدٍ تُجري عليه الأمم حفرياتها القذرة، لا بحثاً عن حضارة، بل عن طريقةٍ أكثر إتقاناً لاغتصاب ما تبقّى من إنسان!
مدينةٌ كنا نُلقّن أنفسنا أنها “أقدم عاصمة في التاريخ”، فإذا بها أقدم كذبة جماعية صدّقناها لنُخفي عار العبودية المزمنة!
لم تكن عاصمة… كانت مسرحاً لتبديل الأقنعة، حيث يتغير الجلاد ويبقى الضحية نفسها!
لن نذهب بعيداً، فقط نصف قرنٍ للوراء؛
مرّت عليها عصابة البعث العروبي، فحوّلتها إلى مختبر لإنتاج الإنسان المكسور! إنسان يُصفّق لجلاده، ويهتف باسمه، ويشعر بالذنب إن فكّر بالنجاة! وكانت القبيسيات… ذلك النموذج المثالي لـ”العبودية الناعمة”، حيث يُلبس القيد ثوب التقوى، ويُقدَّم الخضوع كفضيلة!
ثم جاء الإيراني، لا كغريب، بل كامتداد طبيعي لسوق النخاسة السياسية!
لم يأتِ ليحتل، بل ليُدير الخراب بطريقة أكثر طقسية! اللطم صار بديلاً عن التفكير، والرايات السوداء غطّت ما تبقّى من وعي، والزّينبيات نسخة مطوّرة من نفس المصنع: نساء يُدرَّبن على تقديس القيد، ويُسوّقن له كخلاص!
وحين اعتقد البعض أن القاع قد استُهلك، خرج علينا الأمويون العثمانيون الطالبانيون، بوجهٍ جديد لنفس المرض القديم!
لحىً أطول، شعارات أعلى، لكن الجوهر ذاته: السيطرة باسم الله، والاغتصاب باسم الشريعة!
والأمويات… حفيدات صاحبات الرايات الحمر في قريش، لكن هذه المرة بعباءة “العفّة”، يبعن الوهم كما كانت جدّاتهن يبعن الجسد، الفرق فقط في التغليف!
هنا، لا تعود السياسة صراع مشاريع، بل تناوب عصابات!
ولا يعود الدين إيماناً، بل صناعة أمراض نفسية جماعية، تُعيد إنتاج الخوف، وتُربّي القطيع على حبّ سجنه! (للتوسع: للتوسع: حمّل كتابي “الدين وصناعة الأمراض النفسية” من قسم الكتب).
الشام لم تُحتل مرة واحدة…
الشام تُحتل يومياً، بكل فكرةٍ تُمنع، بكل صوتٍ يُخنق، بكل إنسانٍ يُعاد تشكيله على مقاس العبودية!
المأساة ليست في البعث، ولا في الإيراني، ولا في العثماني الطالباني…
المأساة في هذا الإنسان الذي ما زال يطلب جلاده بصيغة مختلفة، ويظن أنه تحرّر لمجرد أنه غيّر اسم السوط!
الشام اليوم ليست مدينة…
بل حالة نفسية مريضة!
حفريات في خراب الإنسان، حيث الكذبة أكبر من القدرة على مواجهتها، وحيث يفضّل الإنسان أن يُستعبد بكرامةٍ وهمية، على أن يكون حراً في مواجهة الفراغ! (للتوسع: حمّل كتابي “حفريات في خراب الإنسان” من قسم الكتب).
ومن لا يرى هذا…
ليس ضحية فقط، بل شريك في الجريمة!