
تخيّل أن تكون حيّاً فقط من الناحية البيولوجية!
قلبك ينبض، رئتاك تعملان، لكن عقلك مؤجَّر بالكامل!
مؤجَّر لزعيم لم يرك، ولم يسمع بك، وربما لو رآك، لما ميّزك عن أي رقم في نشرة قتلاه!
في لبنان، سوريا، العراق وبقية الشرخ المصاب بداء العبودية، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يفكر، بل بمن يعلّق صورته فوق رأسه!
الجدار هناك أهم من الدماغ، لأنه على الأقل “يحمل صورة”!
تدخل طرابلس مثلاً، فتشعر أنك دخلت معرضاً دولياً للعبث السياسي! الجولاني يبتسم لك من زاوية، أردوغان يراقبك من زاوية أخرى، وفجأة، وكأن أحدهم ضغط زر “العشوائية الديكتاتورية”، تجد مادورو وكيم جونغ أون!
لا أحد يعلم لماذا هم هنا، لكن لا أحد يجرؤ أن يسأل!
السؤال في هذه البلاد جريمة، والإجابة جاهزة دائماً: “اسكت، هيدي رموز”!
أي رموز؟!
رموز ماذا؟!
رموز الفراغ؟!
أم رموز الحاجة المرضية إلى أبٍ نرجسي سفّاح، حتى لو كان على بعد 10,000 كيلومتر؟!
ثم تنتقل إلى الجنوب، حيث النسخة الأخرى من السيرك!
الخميني يطلّ عليك كإله مؤجّل، سليماني كقدّيس عسكري… والجمهور حافظ للنص، يصفّق، يردّد، ويُقسم أنه “حرّ”؛ بينما هو لا يجرؤ أن يغيّر حتى صورة على جدار!
السخرية لا تكمن في التناقض، بل في التشابه المخيف!
السني يعبد صورة ويكفّر الأخرى…
والشيعي يعبد صورة ويكفّر الأولى…
وكلاهما يلتقيان، دون أن يدركا، في عبادة الصورة نفسها: صورة “السيّد”!
أي مهزلة هذه التي تجعل الإنسان في هذه البقعة الجغرافية الموبوءة يتنقّل من عبودية إلى عبودية، وكأنه يتذوّق نكهات مختلفة من القيد؟!
مرة بنكهة عثمانية مع أردوغان، ومرة بنكهة ثورية متحجرة مع الخميني؛ وإن ضاق به الاختيار، لا بأس بقليل من العبث العالمي: كيم جونغ أون أو نيكولاس مادورو للزينة الفكرية!
كأنهم يقولون: نحن لا نفهم… لكننا نؤمن!
وهنا تكمن الكارثة!
في هذه الجغرافيا، لا تحتاج السلطة إلى إقناعك، يكفي أن تُخيفك!
ولا تحتاج الطائفة إلى أن تكون منطقية، يكفي أن تكون موروثة!
ولا يحتاج الزعيم أن يكون عظيماً، يكفي أن تكون أنت صغيراً!
المشكلة ليست في هؤلاء الذين على الجدران، بل في هؤلاء الذين تحتها!
الذي يعلّق صورة زعيم، لا يفعل ذلك لأنه مقتنع، بل لأنه خائف من أن يكون بلا زعيم!
لأن الفراغ مرعب، والتفكير أكثر رعباً!
وهكذا، تتحوّل المجتمعات إلى مسارح ضخمة لإعادة تمثيل الطاعة!
كل يوم، نفس المشهد: شعوب ترفع صور من لا تعرفهم، وتقتل من يشبهها!
في الشرخ الأوسخ، الحرية ليست فكرة، بل تهمة!
والعقل ليس أداة، بل خطر أمني!
وأبسط سؤال يمكن أن يهزّ نظاماً كاملاً… لأن هذا النظام قائم على شيء واحد فقط: أن لا تسأل!
وقبل أن أتنهد قرفاً من هذا الوضع الحالي، ومن باب “العدالة الطائفية” التي لا يجرؤ أحد على تحقيقها… أقترح حلاً عبقرياً!
بما أن الجدران في هذه البلدان المصابة بداء العروبة والدين تحوّلت إلى لوحات شرف لزعماء مستوردين، لماذا لا نكمل المشروع للنهاية؟!
ليتفضل المسيحيون (مشكورين) برفع صور ترامب وفريدريش ميرتس أو حتى بوعلي بوتين… فالعالم قرية صغيرة، ومن العيب أن يبقى ولاؤنا محلياً!
وسينضم الدروز، بكل وقارهم التاريخي، لرفع صور حكمت الهجري… لأن الزعامة، كما يبدو، لا تكتمل إلا إذا أصبحت صورة!
أما الأكراد، فبالتأكيد لن يخذلوا المشهد، وسيرفعون صور عبد الله أوجلان… فالثورات أيضاً تُعلّق على الجدران عندما تموت في الواقع!
والعلويون لا بأس، فليبحثوا عن أي “غزال” مناسب ويضعوه في إطار ذهبي، لأن الفكرة ليست في الاسم، بل في الطقوس!
والإسماعيليون، حفاظاً على التنوع، سيرفعون صور الآغا خان… فحتى الروحانية تحتاج إلى صورة رسمية تُعلّق فوق الرؤوس!
أما نحن الملحدون (يا لسخريتنا المرّة) فلن نجد مهرباً من العدوى، وسنرفع صور داروين… عليه الصلاة والسلام طبعاً!
فنحن شعوب لا تستطيع العيش بلا قدّيس… حتى لو أنكرت السماء!
هكذا تكتمل اللوحة!
جميعنا نعبد… فقط نختلف على الأسماء!
جدران مليئة بالوجوه…وعقول فارغة من أي فكرة!
والمفارقة التي تستحق التصفيق، أن كل واحد منهم سيعتقد أنه “مختلف”… بينما الجميع، دون استثناء، يمارس الطقس نفسه:
طقس الانحناء… لكن بلهجات متعددة!
المسألة ليست إيماناً أيها السادة، ولا مقاومة ولا عقيدة… بل حاجة نفسية بدائية إلى التبعية، إلى الانحناء، إلى وجود “أب أخو شلّيتة” يقرّر بدلاً عنك!
الإنسان الحر أيها الحمقى لا يعلّق صوراً، بل يطرح أسئلة!
لا يهتف… بل يفكّك!
لا يبحث عن سيّد… بل يبحث عن معنى!
لكن في هذه الجغرافيا اللعينة… المعنى ترف، والسؤال خيانة، والحرية… خطأ يجب تصحيحه!
لهذا، لا تستغرب إن رأيت جداراً يحمل عشر صور لزعماء من عشر دول… ولا يحمل فكرة واحدة!
لأن الفكرة تحتاج شجاعة… أما الصورة فقط تحتاج مسماراً!