اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات حين يصبح القطيع محكمة ويصبح الاختلاف جريمة!

حين يصبح القطيع محكمة ويصبح الاختلاف جريمة!

0
حين يصبح القطيع محكمة ويصبح الاختلاف جريمة!

ليس عليك أن تخطئ كي تُدان، يكفي أن لا تُشبههم!

هذه هي القاعدة الذهبية في مجتمعات القطيع؛ لا تُحاكم على ما تفعل، بل على ما تمثّله! على جرأة خروجك، لا على مضمون فكرك!

القطيع لا يناقش… القطيع يُصنّف!

يضعك في خانة، ثم يبدأ الرجم… لا بالحجارة، بل بالتهم الجاهزة، تلك التي تُنتَج بالجملة كما تُنتج السلع الرديئة!

إن كنت سياسياً، فالتهمة جاهزة: عميل!

ولا يهم أن يكون خلافك معهم أصلاً بسبب ارتهانهم لقوى خارجية تشبههم في التخلف قبل الهوية! لا يهم… لأن القطيع لا يرى التناقض، بل يعيش عليه!

إنه يكره الخيانة… لكنه يمارسها يومياً باسم الولاء! مفارقة لا تزعجه، لأنه ببساطة لا يفكر!

وإن كنت فناناً، فالأمر أكثر هزلية!

تاريخك، إنجازك، بصمتك، كل هذا يُمحى بضغطة “مزاج جماعي”!

تصبح فجأة “كومبارس” لأنك لم تركع!

ثم، وبنفس السرعة، يمكن لأي كومبارس حقيقي أن يتحول إلى “أسطورة فنية” فقط لأنه قال “نعم” في الوقت المناسب!

هنا لا يُقاس الفن بالإبداع… بل بدرجة الانبطاح!

أما إن كنت كاتباً، باحثاً، مثقفاً… فاستعد لأقذر محاكمة!

لن يناقشوك… لأن النقاش يتطلب عقلاً، والعقل خطر على القطيع!

سيختصرونك بكلمتين أو ثلاث: غبي، عميل ولا تفهم في الثقافة!

وإن شعروا بأن قاموسهم بدأ ينفد، سيخترعون لك تهمة عصرية: هذا ليس أسلوبه… هذا ذكاء صناعي يكتب له!

يا لها من عبقرية!

إنسان يكتب منذ أكثر من عشرين عاماً بنفس النفس، بنفس المفردات، بنفس البناء الفكري… وفجأة، يكتشف القطيع أن كل هذا كان مؤامرة رقمية مبكرة قبل أن تولد التكنولوجيا نفسها!

القطيع لا يقرأ التاريخ… بل يعيد كتابته وفق حاجته النفسية: إلغاء الآخر!

هم لا يحتملون فكرة أن هناك من يفكر خارج حدودهم…

لأن وجودك يفضحهم!

وجودك يقول لهم دون أن تتكلم: يمكن العيش بلا خوف، بلا تبعية، بلا هذا القفص الذي تسمونه هوية!

وهنا يبدأ الرعب الحقيقي!

ليس لأنك خطر… بل لأنك مرآة!

مرآة تُظهر لهم قبح ما أصبحوا عليه؛ فيكسرونها، لا لأنهم يكرهون الزجاج، بل لأنهم يكرهون وجوههم!

القطيع لا يريد الحقيقة… الحقيقة مرهقة!

هو يريد طمأنينة الكذب الجماعي، دفء الوهم المشترك، ذلك الشعور اللذيذ بأن الجميع مخطئ… إلا نحن!

لذلك، كل من يخرج، يجب سحقه!

ليس لأنه أخطأ… بل لأنه تجرأ!

في النهاية، المسألة ليست سياسة ولا فناً ولا فكراً…

المسألة أعمق بكثير:

إنها معركة بين إنسان قرر أن يكون فرداً… وجموع قررت أن تبقى قطيعاً!

وما بين الاثنين…

لا يوجد حوار!

بل محكمة… قاضيها الجهل، وقانونها الخوف، وحكمها جاهز دائماً:

أنت مذنب… لأنك لست مثلنا!