اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات من الجامعة إلى القبيلة؛ رحلة السقوط الصامت!

من الجامعة إلى القبيلة؛ رحلة السقوط الصامت!

0
من الجامعة إلى القبيلة؛ رحلة السقوط الصامت!

هل تصنع الشهادة العلمية إنساناً مثقفاً؟!

الجواب: لا… وبكل بساطة لا!
التعليم قد يمنحك وظيفة، مكانة، لقباً يلمع على الورق، أما الثقافة فهي معركة شخصية مع نفسك، مع ما ورثته، مع ما تخاف أن تلمسه أصلاً! وإذا ما اجتمع الاثنان معاً، يولد الإبداع… لا كمهارة، بل كقدرة على هدم الذات وإعادة بنائها!

لكن السؤال الأخطر: كيف يمكن لإنسان مبدع في مجاله أن يكون جاهلاً حدّ الأمية خارجه؟!

هنا تبدأ القصة الحقيقية!
هناك لحظة كاشفة، لحظة يسقط فيها القناع دفعة واحدة، فتكتشف أن ما كنت تظنه “تعليماً” لم يكن سوى طلاء رقيق فوق بنية ذهنية بدائية!
عندها لا فرق حقيقي بين من يحمل شهادة في الطب أو الهندسة، وبين من لم يقرأ حرفاً، حين تكون المنظومة التي شكّلت وعيهما واحدة!

ففي غزوة الأمس رداً على ما كتبته عن زعيمهم، وكما شاهد ولاحظ الكثيرون في صفحتي، الآلاف يصرخون، يشتمون، ينحدرون إلى لغة لا تليق حتى بأبسط أشكال الوعي، والعجيب أنه لم يكن ممكناً التفريق بين شتائم المتعلم وشتائم الأمي إلا عبر الدخول إلى صفحته، فتجده طبيباً أو مهندساً أو محامياً!
هنا لا نتحدث عن مفارقة عابرة، بل عن خلل بنيوي عميق في الطريقة التي صُنِع بها هذا “المتعلم”!

المشكلة ليست في الأفراد بقدر ما هي في المنظومة التي أنجبتهم! منظومة لا ترى في التعليم مشروعاً لتحرير العقل، بل مجرد وسيلة لإنتاج كفاءات وظيفية، فهي لا تعلّم الإنسان كيف يفكر، بل كيف يؤدي مهمة! وهنا يولد ذلك الكائن المزدوج: عقل مهني دقيق داخل العمل، وعقل بدائي منفلت عند أول احتكاك حقيقي! أي أن الفرد يمكن أن يمتلك مستويين منفصلين من التفكير: واحد تقني-مهني يعرف كيف يجري عملية أو يصمم جسراً أو يكتب عقداً، وآخر بدائي-انفعالي يصرخ ويشتم ويهاجم ويستدعي الغرائز القبلية عند أول احتكاك!

وهنا يظهر بوضوح ما يمكن تسميته بالانفصال المعرفي؛ حين يعيش الإنسان بين ما تعلمه علمياً وما تم تلقينه عقائدياً، ولا يملك الشجاعة لهدم التناقض، فإنه لا يحله بل يقسم نفسه! في العمل يعمل بعقل علمي دقيق، لكن في الصراع ينكشف عقل قبلي بدائي!

فحين يعيش أحدهم بين منظومتين متعارضتين، معرفة علمية من جهة وموروث عقائدي مغلق من جهة أخرى، ولا يمتلك الجرأة على تفكيك هذا التناقض، فإنه لا يحله بل ينقسم، فيعيش بشخصيتين منفصلتين: واحدة منظمة ومنضبطة في بيئة العمل، وأخرى فوضوية وعدوانية في بيئات الصراع كما رأينا! وهذا ما يسمى ازدواجية البنية المعرفية!

ومن هنا يمكن فهم ظاهرة الانحدار المفاجئ في السلوك؛ فعندما يشعر أحدهم أن هويته مهددة، لا يرتقي إلى مستوى وعي أعلى، بل يتراجع إلى أكثر طبقاته بدائية، إلى القبيلة، إلى الجماعة، إلى ذلك الصوت القديم الذي لم يخضع يوماً للنقد!

في تلك اللحظة تختفي كل الفوارق، فلا يعود هناك فرق بين أمي لم يدخل مدرسة وآخر يحمل أعلى الشهادات، فكلاهما يتكلم من نفس المصدر: الخوف!

وهنا يتجلى ما يمكن تسميته بالانحدار النفسي؛ فعند التوتر أو التهديد يعود الإنسان إلى أنماط سلوكية طفولية بدائية، وهذا ما يظهر في الشتائم واللغة السوقية والعنف اللفظي، كأن الشهادة تُسحب منه مؤقتاً ويُعاد إلى نسخته الأولى!

ثم يأتي العامل الأخطر: الذوبان في القطيع!
حين يندمج الفرد في جماعة مغلقة يفقد فردانيته بالكامل، فلا يعود يفكر بل يُفكَّر به، ولا يعود يختار بل يُساق!
وهنا يظهر التماهي الجمعي بأوضح صوره؛ حيث يذوب الفرد داخل القطيع إلى درجة أنه يتخلى عن ذاته تماماً، فلا يعود الطبيب طبيباً بل جندياً في جماعة، ولا المهندس مهندساً بل صوتاً في جوقة، فتختفي الفروق ويصبح الجميع نسخة واحدة من الصراخ!

حينها لا تعود الشهادة عنصر حماية، بل تتحول إلى قناع يمنحه وهم التفوق وهو غارق في أكثر أشكال التبعية سذاجة!

لهذا لم يكن غريباً أن نرى “متعلمين” يتحركون ككتلة واحدة استجابة لصوت ديني أو سياسي! (المتعلمون وقرع الطناجر استجابة للشيخ العرعور لإسقاط النظام مثالاً حياً)، لم يكن ذلك نتيجة اقتناع عقلاني، بل نتيجة خضوع نفسي عميق، فالسلطة الرمزية حين تتلبّس بثوب المقدّس قادرة على تعطيل التفكير النقدي حتى عند أكثر الناس تخصصاً!

دعوني أبسطها أكثر: هذا النوع من التعليم لا ينتج وعياً بل ينتج مهارات، لا يصنع إنساناً حراً بل فرداً مبرمجاً على أداء وظيفة محددة! ولهذا يمكن لإنسان أن يكون عبقرياً في غرفة العمليات، وهمجياً في تعليق على فيسبوك!

وكما يجب أن تُقال بوضوح: المشكلة ليست في الشهادة بل في وهمها! الشهادة تُدرّبك على كيف تفكر داخل مجال ضيق، لكنها لا تعلّمك كيف تواجه الأكاذيب الكبرى، ولا كيف تهدم ما تربيت عليه، ولا كيف تشك!

وهنا يظهر أخطر ما في المشهد: الجاهل المتعلم!
هذا ليس شخصاً بسيطاً يمكن إقناعه بسهولة، بل كائن يمتلك أدوات المعرفة دون أن يمتلك روحها، يتحدث بثقة ويهاجم بثقة ويدافع عن أكثر الأفكار هشاشة وكأنها حقائق نهائية!
إنه جهل محصّن بالشهادة!

بل وأكثر من ذلك، هذه المنظومات لا تنتج جهلاً بسيطاً، بل تنتج جهلاً متعلّماً، وهذا أخطر بكثير! لأن الأمي قد يصمت، أما المتعلم الوهمي فيتحدث بثقة ويشتم بثقة ويدافع عن تخلفه بثقة!

لذلك، ما نراه اليوم ليس انحرافاً عن القاعدة، بل هو القاعدة نفسها حين تسقط الأقنعة!
الإنسان لا يظهر على حقيقته في سيرته الذاتية، بل في لحظات الانكشاف، في التعليقات، في ردود الفعل، في اللغة التي يستخدمها عندما يظن أن لا أحد يراقبه!
حينها لا يعود الإنسان ابن علمه، بل ابن خوفه، وابن قبيلته، وابن النص الذي لم يجرؤ يوماً على تفكيكه!

وهنا تسقط آخر الأوهام: كثرة الشهادات لا تعني ارتفاع الوعي!
قد تملأ الجدران بالإنجازات، لكنك تبقى فارغاً من الداخل إن لم تمتلك شجاعة السؤال!

وفي الأخير تنهار الأسطورة الكبرى: أن التعليم يصنع إنساناً أفضل!
لا… التعليم قد يصنع طبيباً بارعاً، لكن الوعي وحده يصنع إنساناً!