
ليست المشكلة في وجود العنف، بل في تحوّله إلى لغة يومية، إلى ردّ تلقائي، إلى هوية تُمارَس دون وعي!
هناك أنماط بشرية في هذا الشرخ الأوسخ لا تحتاج إلى عدو، يكفيها سوء الفهم لتُعلن الحرب!
لا لأن الخلاف كبير، بل لأن الداخل هشّ إلى درجة أن أي احتكاك بسيط يتحوّل إلى تهديد وجودي!
نمطٌ موتور!
لا بمعنى “محرك”، بل بمعنى الهائج!
الغاضب على الدوام، المشحون بلا سبب واضح، المستعد للانفجار عند أول احتكاك!
كائن لا يعيش توتّره؛ بل يتصرّف به!
اندفاع لا يقوده وعي، وضجيج لا يخفي إلا فراغاً أكبر من أن يُعترف به!
كأن الكائن هناك لم يُدرَّب على الفهم، بل على الاصطدام!
والمفارقة العجيبة أنه لا يرى في ذلك خللاً، بل يراه طبيعته!
هنا يبدأ التحوّل؛ ليس فجأة، بل بالتدرّج الصامت:
من إنسان يفكّر، إلى كائن ينفعل!
من ثائر يسأل ويشكّ ويختار، إلى ثور لا يرى إلا ما يستفزّه!
الثائر يسأل… أما هذا النمط، فينطح!
الثائر يراجع… أما هو، فيندفع!
الثائر يختار معركته… أما هو، فكل ما يمرّ أمامه يتحوّل إلى حلبة!
لا يعود يبحث عن معنى… بل عن احتكاك!
لا عن فهم… بل عن فرصة ليفرغ ما بداخله!
ومن هناك، ينحدر أكثر… لا يتوقّف عند حدود الثور!
بل يتآكل حتى يفقد ما تبقّى من إنسانيته!
يتحوّل إلى كائن لا يجيد سوى الرفس واللبط!
ردود فعل بدائية، حركات تسبق أي فكرة، وأعصاب تشتغل بدل العقل!
من نظرة عابرة تبدأ الحكاية: ليش عم تنظر هيك؟!
ليست جملة… بل زناد!
كأن العين أصبحت استفزازاً، والكلمة إعلان حرب، والصمت مؤامرة!
ثم تبدأ الطقوس التي يعرفها الجميع؛ تصعيد، صراخ، شتائم، استدعاء فوري للقطيع (فزعات)!
لا بحث عن حقيقة… بل عن جمهور!
لا محاولة للفهم… بل سباق على من يرفع صوته أكثر!
وهنا، يحدث التحوّل الأخطر: العنف لا يبقى ردّة فعل… بل يصبح أداءً! استعراضاً! طقساً اجتماعياً يعيد إنتاج نفسه كل يوم!
يتحوّل الإنسان إلى ساحة توتر متنقّلة؛ إلى مشروع انفجار مؤجّل!
يحمل داخله كل ما لم يُفهم، كل ما لم يُعبَّر عنه، كل ما لم يُعالَج!
ثم ينتظر شرارة صغيرة ليُطلق كل ذلك دفعة واحدة!
ليس لأنه قوي… بل لأنه لم يتعلّم كيف يكون متماسكاً!
في هذا النمط، الاعتذار خسارة، والهدوء ضعف، والتفكير تأجيل غير مرغوب فيه للانفجار!
وهكذا، لا تعود اللغة وسيلة تواصل، بل أداة صدام!
لا تُستخدم لتقريب المسافات، بل لتفجيرها!
لا تُبنى بها جسور، بل تُحفر بها خنادق!
هم لا يتكلمون… هم يقذفون!
لا يناقشون… يهاجمون!
لا يفهمون… يفسّرون كل شيء وفق عقدهم الداخلية!
كأن الكلمات لم تعد تُقال… بل تُرمى!
المشكلة ليست في الجهل وحده؛ بل في الاطمئنان إليه!
في تحوّله إلى نظام داخلي مريح، لا يحتاج إلى مراجعة، ولا يسمح بأي اختراق!
وهنا تحديداً، يولد الخطر الحقيقي: حين يتحوّل “الموتور” من حالة فردية… إلى بنية جماعية!
إلى ثقافة!
إلى طريقة عيش!
عندها، لا يعود العنف حدثاً طارئاً، بل يصبح جزءاً من الإيقاع اليومي!
لا يُصدم به أحد… لأنه متوقّع دائماً!
هوية كاملة تُبنى على ردود الفعل، لا على الأفعال الواعية!
على الهدم السريع، لا على البناء البطيء!
على رفض الفهم… لا على السعي إليه!
والمأساة هنا أنهم يعتقدون أنفسهم أحياء أكثر من غيرهم!
يظنون أن الصراخ دليل قوة، وأن العنف دليل رجولة، وأن السيطرة دليل قيمة!
بينما الحقيقة أكثر قسوة: هم فقط عاجزون عن أن يكونوا هادئين!
فالهدوء يحتاج تماسكاً، والفهم يحتاج شجاعة، والتسامح يحتاج قوة أكبر بكثير من أي قبضة!
لكن كيف لإنسان تربّى داخل هذا النمط، أن يفهم الخارج؟!
كيف لمن يخاف من صمته، أن يحتمل حواراً؟!
كيف لمن يهرب من نفسه، أن يواجه فكرة؟!
المشكلة ليست أنهم لا يفهمون؛
بل أنهم لم يتعلّموا أن الفهم ممكن أصلاً!
وهنا الكارثة الحقيقية: حين يصبح الجهل نظاماً، والضجيج ثقافة، والعنف لغة يومية، لا يعود “الموتور” حالة، بل يصبح هو الشكل الطبيعي للإنسان!
إنسان لا يُقاس بما يبني، بل بما يكسره!
لا بما يفهم، بل بما يرفض أن يفهمه!
الموتور لم يعد صفة، بل أصبح قائداً!
وكل ما تبقّى…
كائنات تمشي، تصرخ، تنطح، ترفس…
وتسمّي ذلك: حياة!