اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات بين الصمت والتواطؤ: لماذا أكتب؟!

بين الصمت والتواطؤ: لماذا أكتب؟!

0
بين الصمت والتواطؤ: لماذا أكتب؟!

انظروا الصفحات الرئيسية، لا كمتفرجين، بل كمشرّحين!
ستجدون آلاف الجعجعات والعنتريات، مع هذا وضد ذاك… لكن إن نزعت عنها قشرة الكلمات، لن يبقى سوى شيء واحد: عاطفة دينية خام، تقود الجميع كقطيعٍ يظن أنه يختار!

هذا المشهد لا يخص لحظة عابرة، ولا منصة محددة، بل هو صورة مكثفة لعقل جمعي فقد قدرته على التمييز بين الشعور والفكرة، بين الإيمان والهلع، بين القناعة والتلقين!

إنه عالم يتكلم كثيراً… لأنه لا يحتمل أن يفكر!

انظروا لهم بعقلانية؛ ولو لمرة واحدة!

ستكتشفون أن ما يسمونه “مواقف” ليس سوى ردود فعل!

لا منطق، لا تحليل، لا شجاعة على الشك!

تأييد أعمى بلا دليل؛ لأن التصديق أسهل من المواجهة!

ومعارضة عاطفية عمياء حتى لما هو مثبت؛ لأن الاعتراف بالحقيقة يتطلب جرأة لا يملكونها!

لقد تحولت الساحات إلى حلبات تفريغ، لا إلى مساحات بحث!

الناس لا تدخل النقاش لتفهم، بل لتنتصر!

ولا تنتصر بالحجة، بل بالصوت الأعلى، وبعدد أكبر من المصفقين!

ما ترونه ليس نقاشاً، بل مسرح صراخ!

كل واحد يصرخ من داخل قفصه، ويظن أن صوته حرية!

لكن الحقيقة أبسط وأقسى:

هم لا يدافعون عن أفكارهم، بل عن خوفهم من انهيارها!

وحين يصبح الخوف هو المحرك، تتحول كل فكرة إلى درع، وكل سؤال إلى تهديد، وكل محاولة للفهم إلى مؤامرة!

وهنا، لا يعود للعقل وظيفة، بل يصبح عبئاً يجب التخلص منه!

العاطفة الدينية هنا ليست إيماناً… بل جهاز إنعاش لعقول تخشى أن ترى نفسها عارية!

كل فكرة تمرّ على فلتر واحد:

هل تُطمئنني أم تفضحني؟!

فإن طمأنت، صارت “حقاً مطلقاً”!

وإن فضحت، صارت “كفراً” أو “خيانة”!

بهذه الآلية البسيطة، يُعاد تشكيل العالم، لا كما هو، بل كما يُحتمل نفسياً!

الحقيقة لا تُرفض لأنها خاطئة… بل لأنها مؤلمة!
والكذبة لا تُقبل لأنها مقنعة… بل لأنها مريحة!

لهذا كله، لم يعد يهمني إن وصلت المعرفة أم لم تصل!

ها قد تجاوزت عقدين من الزمن، وأنا أحاول أن أخلق ثغرة في هذا الجدار التخلفي المتماسك ككذبةٍ مقدسة!

كنت أظن أن المشكلة جهل! فاكتشفت أنها إرادة جهل!

أنهم لا يبحثون عن الحقيقة… بل عن مخدرٍ يمنعهم من رؤيتها!

جربت كل شيء:

الشرح، الصدمة، السخرية، التفكيك، المواجهة!

وفي كل مرة، كنت أظن أن شرخاً صغيراً قد حدث… لأكتشف لاحقاً أن الجدار يعيد ترميم نفسه بعنادٍ أشد، وكأن الجهل كائن حي يدافع عن بقائه!

أقرّ بفشلي، نعم!

لكن ليس لأنني لم أبذل كل ما بوسعي…

بل لأن القطيع أقوى من كل محاولة فردية، أقوى مني ومن كل من سار معي في هذا الدرب!

القطيع لا يُهزم لأنه يملك الحقيقة… بل لأنه يملك العدد، ويحوّل العدد إلى وهم شرعية!

وفي عالم يُقاس فيه الصدق بعدد المصفقين، يصبح المفكر شاذاً، والسائل خطراً، والحقيقة عبئاً لا يُحتمل!

اليوم أكتب، لا لأقنع أحداً، ولا لأهدي أحداً نوراً لا يريد أن يراه!

أكتب كمن يفكر بصوت عالٍ… كمن يرفض أن يختنق داخل هذا الصمت الجماعي!

أكتب لأن الكتابة لم تعد محاولة تغيير، بل محاولة بقاء!

بقاء إنسانٍ يرفض أن يُختزل في صدى، أن يُبتلع في جوقة، أن يتحول إلى نسخة أخرى من الضجيج!

لم يعد يهمني من يقرأ… ومن يمرّ دون أن يرى!

فالقضية لم تعد أن تصل الفكرة…

القضية أن لا أسمح لهذا الضجيج أن يبتلع آخر ما تبقى مني!