اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات وهمُ الأغلبية!

وهمُ الأغلبية!

0
وهمُ الأغلبية!

ليس أخطر من كذبةٍ تُقال بصوتٍ عالٍ… إلا كذبةٍ يردّدها جمعٌ كبير حتى تبدو كأنها حقيقة!
هنا تحديداً، يولد ما أسميه: وهم الأغلبية!
ليس بوصفه حالة اجتماعية عابرة، بل كآلية قمع ناعمة، قادرة على سحق الفرد دون أن ترفع سكيناً واحدة!

الأغلبية، في معناها الحقيقي، هي نتيجة قياس!
رقمٌ واضح، ناتج عن آلية شفافة، يعكس إرادةً تم التعبير عنها بحرية!
لكن ما يحدث في “شرخنا الأوسخ” ليس هذا أبداً!
ما يحدث هو تزويرٌ وجودي لمعنى “الأغلبية” نفسها!

يخرج عليك أحدهم، ملوّحاً بهذه الكلمة كأنها صكّ إلهي، ويقول: نحن الأغلبية!
لا يسأل نفسه من عدّهم!
ولا كيف تمّ هذا العدّ!
ولا إن كان من ضمّهم تحت هذا المسمى قد وافق أصلاً على الانضمام!

إنها أغلبية تُصنع بالوقاحة… لا بالإحصاء!
أغلبية تُفرض بالضجيج… لا بالصناديق!
أغلبية تُخاط من خوفٍ جماعي، لا من وعيٍ جماعي!

وهنا يبدأ الانحراف الأخطر:
حين يتحول “العدد” من كونه وصفاً… إلى كونه مبرراً!
من نتيجة… إلى أداة شرعنة!

في هذه اللحظة، لا يعود مهماً إن كانت الفكرة صحيحة أم لا!
يكفي أن يقولوا إنهم “كُثر”، حتى تصبح الحقيقة نفسها موضع شبهة!
فالعقل الفردي يُحاصر، لا بالحجة، بل بالإحساس بالعزلة!
يُدفع دفعاً إلى الصمت، لا لأنه اقتنع، بل لأنه أُنهك من مقاومة القطيع!

وهكذا، تتحول الأغلبية إلى شكلٍ من أشكال الإرهاب الرمزي!
إرهاب لا يقتل الجسد… بل يُطفئ الجرأة على التفكير!
يجعل الإنسان يخجل من رأيه، لا لأنه خاطئ، بل لأنه مختلف!

لكن لنكن أكثر قسوة وصدقاً:
هذه الأغلبية” ليست سوى حشدٍ هشّ، يخاف من أن يُترك وحيداً مع أفكاره!
لذلك، يحتاج دائماً إلى الآخرين… لا ليتقوّى، بل ليختبئ!

إنه لا يقول “نحن الأغلبية” لأنه واثق…
بل لأنه مرتعب من أن يكون وحده!

وهنا تنكشف الفضيحة:
الأغلبية، كما تُستخدم اليوم، ليست تعبيراً عن قوة… بل عن ضعفٍ جماعي مُقنّع!
ضعفٌ لا يستطيع أن يواجه السؤال، فيستبدله بالتصفيق!
ولا يحتمل الشك، فيغرق في التكرار!

إنهم لا يبنون موقفاً… بل يصنعون صدى!
ولا يدافعون عن فكرة… بل يحمون خوفهم من التفكير!

والأشد قبحاً من ذلك، هو ما يفعلونه بالآخرين:
لا يكتفون بادّعاء الأغلبية، بل يوسّعونها قسراً!
يُدرجون المختلف ضمنهم دون إذنه!
يُشوّهون موقفه، يُعيدون تعريفه، ثم يقولون له ببرود: أنت معنا… شئت أم أبيت!

إنها عملية اغتصاب فكري مكتملة الأركان!
تُسلب فيها هوية الفرد، ويُعاد تشكيله كرقمٍ داخل قطيع، فقط ليكتمل المشهد الوهمي!

وهنا، يصبح “وهم الأغلبية” أخطر من أي دكتاتورية صريحة!
لأن الدكتاتور يُعلن نفسه…
أما هذه الكذبة، فتتخفى باسم الناس!

لكن الحقيقة، في جوهرها العاري، لا تعترف بهذا كله!
الحقيقة لا تُقاس بعدد المؤمنين بها…
بل بقدرتها على الصمود، حتى لو وقف صاحبها وحيداً في مواجهة ألف حنجرة!

فكم من فكرةٍ عظيمة بدأت بصوتٍ واحد!
وكم من قطيعٍ كامل كان يسير بثقة… نحو هاوية!

لهذا، كلما سمعت أحدهم يتبجح قائلاً: نحن الأغلبية!
لا تنخدع بالضجيج!
اسأله سؤالاً بسيطاً، لكنه قاتل:
من عدّكم… ومن فوّضكم… ومن أعطاكم حق الكلام باسم الآخرين؟!

غالباً، لن تجد جواباً…
بل مزيداً من الصراخ!

لأن الحقيقة المؤلمة هي هذه:
الأغلبية الحقيقية لا تحتاج أن تصرخ…
والكذبة وحدها هي التي ترفع صوتها… كي لا يُسمع فراغها!