اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات دليل النجومية في زمن القطيع!

دليل النجومية في زمن القطيع!

0
دليل النجومية في زمن القطيع!

بعد اكثر من عشرين عاماً من الاشتباك اليومي مع هذه المجتمعات الموبوءة — سياسياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً — أستطيع أن أقدم لك وصفة مضمونة للشهرة والمحبة في هذا العالم المزدحم بالتصفيق الزائف!

الأمر بسيط جداً!

لا تقل الحقيقة!

الحقيقة كائن ثقيل، مزعج، يفسد الولائم ويعكر مزاج الجموع!
الناس لا يبحثون عنها، ولا يريدون سماعها أصلاً!
هم يبحثون عن كذبة مريحة، كذبة دافئة، كذبة تجعلهم ينامون مطمئنين داخل القفص وهم يتخيلون أنه قصر!

قل لهم ما يريدون سماعه، لا ما هو موجود فعلاً!
امدح معتقداتهم حتى لو كانت خرائب عقلية، وصفّق لأوهامهم حتى لو كانت سبب مأساتهم، وابتسم لكل خرافة تمر أمامك، وستجدهم يفتحون لك أبواب القلوب والمنابر!

ولا تقف أبداً بجانب الحقيقة!

الحقيقة في هذه المجتمعات ليست قيمة، بل ظرف سياسي متحرك!
اليوم الحقيقة تقف مع هذه الجهة، لأن ميزان القوة يميل إليها!
وغداً تنتقل إلى الجهة الأخرى، عندما يتغير موقع الجلاد والضحية!

فإن وقفت مع الحقيقة، ستخسر هنا وهناك!
ستغضب هذا القطيع حين تكون الحقيقة ضده، وستغضب ذاك القطيع حين تنقلب الموازين!
وفي النهاية ستجد نفسك وحيداً، لأنك اخترت شيئاً لا سوق له: الصدق!

أما إن أردت الشهرة، فالأمر يحتاج قليلاً من الذكاء الاجتماعي!

كن مثل الريح… لا مثل الصخرة!

الصخرة تبقى في مكانها وتتحطم عليها الأمواج!
أما الريح فتمرّ فوق الجميع، تتلوّن مع الاتجاه، وتصفّق لكل منتصر في لحظة انتصاره!

اليوم اكتب ضد الطغيان عندما يكون مكروهاً شعبياً، وغداً اكتب عن “حكمة القائد” عندما يعود الناس إلى تقبيل يده!
اليوم دافع عن الحرية، وغداً برر القمع باسم الاستقرار!
المهم أن تبقى مع المزاج العام، لا مع الحقيقة!

المزاج العام هو الإله الحقيقي لهذه المجتمعات!

الناس لا يكرهون الكذب، بل يكرهون من يكشفه!
ولا يغضبهم الظلم بقدر ما يغضبهم من يفضح عريه أمام المرآة!

لذلك، إن أردت القبول، لا تكن مرآة… كن ستارة!

غطِّ القبح، زيّن الخراب، اكتب نصوصاً مليئة بالعبارات اللامعة الفارغة، تحدث عن الكرامة بينما الناس تُسحق، وعن الإيمان بينما الخوف هو الحاكم الفعلي، وعن الأخلاق بينما النفاق هو اللغة اليومية!

ستحصل على آلاف الإعجابات!

سيقولون عنك: مفكر كبير!
سيقولون: صوت الحكمة!
سيضعون صورتك في المنشورات، ويستشهدون بجملك في الخطب، وربما يمنحونك الجوائز أيضاً!

لكن هناك مشكلة صغيرة فقط!

كل ذلك سيحدث… بشرط واحد!

أن تقتل داخلك ذلك الصوت المزعج الذي يسأل:
ماذا لو كان كل هذا كذباً؟!

ذلك الصوت هو العدو الحقيقي للشهرة في هذه المجتمعات!

فإن استطعت خنقه… ستصبح نجماً!

أما إن تركته حياً، إن تركته يكتب، ويشك، ويفضح، ويصرّ على قول ما يراه لا ما يُطلب منه… فاستعد لشيء آخر تماماً!

لن تصبح محبوباً!

ستصبح مزعجاً… خطيراً… غير مرغوب فيه!

لكن، على الأقل، عندما تنظر في المرآة… لن تضطر إلى الكذب على الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقتك تماماً!