
أحياناً لا تبدأ الكذبة من جملة خاطئة… بل من سؤال تم استبداله بسؤال آخر!
في زمن الضجيج، لم تعد المشكلة فيما نعرفه… بل فيما نُدفَع للتفكير فيه!
هناك قضايا كبرى تُسحب بهدوء من الطاولة، لتوضع مكانها معارك صغيرة، يومية، مستفزة، لكنها بلا معنى حقيقي!
ومع الوقت، ينسى الناس الأسئلة الأساسية… وينغمسون في تفاصيل صاخبة، لكنها فارغة!
ما يحدث ليس صدفة… بل تقنية قذرة تُمارَس ببرودة أعصاب، وتنجح لأن الإنسان في المجتمعات الفقيرة معرفياً، كائن يُستدرج قبل أن يُقمع!
سأحاول تبسيط فهم هذه التقنية… كيف تُدار، ولماذا تنجح، ولماذا يقع الناس فيها رغم وضوحها…!
هناك خدعة لا تُمارس على الناس بالقوة؛ بل بالضجيج!
خدعة قذرة، لكنها فعّالة إلى حد مخيف، تقوم على مبدأ بسيط:
لا تسرق وعي الإنسان… بل أشغله بشيء أقل قيمة منه!
فأنت لا تُخدع حين تُكذب، بل تُخدع حين تُشغَل!
في مصر، خلال فترة حكم مرسي، لم يكن الصراع الحقيقي حول الحجاب أو الخمور أو “هوية المجتمع”…
كان الصراع على الدولة نفسها، على من يمسك بمفاصلها، وعلى شكل المستقبل!
لكن ما حدث كان العكس تماماً… تم سحب الناس من الأسئلة الكبرى إلى مستنقع التفاصيل التافهة!
فجأة، أصبح النقاش حول قطعة قماش، أو زجاجة خمر، أو فتوى الرضاع الكبير… وكأن مصير أمة يتوقف على ذلك!
بينما كانت القرارات الحقيقية تُطبخ في مكان آخر… بعيداً عن عيون من تم إلهاؤهم بنجاح!
هذه ليست عفوية؛ هذه تقنية!
تقنية تقوم على فهم بسيط للنفس البشرية، خاصة في المجتمعات الدينية:
الإنسان لا يحتمل القلق الكبير طويلاً… فيبحث عن معارك صغيرة، واضحة، يمكنه أن يصرخ فيها ويشعر أنه يفعل شيئاً!
وهنا تتدخل السلطة القمعية!
لا لتقمعه، بل لتمنحه هذه المعارك الجاهزة!
تقول له بشكل غير مباشر:
اترك الخراب الكبير… وتعال قاتل في هذه التفاصيل!
لا تفكر في الخراب… فكّر في طول الحجاب!
لا تسأل عن الفساد… اسأل عن حكم الخمر!
لا تواجه السلطة… واجه فتاة (والعياذ بالله!) في الجامعة!
فتتحول الطاقة كلها من مواجهة الحقيقة، إلى شجارات يومية تافهة!
شجار حول الحجاب… حول الخمر… حول النساء في الجامعة… حول أي شيء يمكن أن يملأ الفراغ!
وهذا بالضبط ما يتكرر اليوم في سوريا الجولانية، لكن بشكل أكثر فجاجة!
ضجيج متعمد، قضايا مستفزة، قرارات تبدو سخيفة إلى حد الاستفزاز…
والنتيجة واحدة:
الناس تغرق في التفاصيل، وتفقد القدرة على رؤية الصورة الكبرى!
شهادات جامعية مزورة، تعيينات للأقارب في المؤسسات!
قرارات دينية في غير مكانها!
بناء جامع هنا، أو استعراض ديني هناك!
قرارات مدرسية سخيفة تُشغل الأهالي… بينما يُعاد تشكيل عقول جيل كامل بصمت!
مساحيق التجميل، اللباس، السلوك الفردي… تتحول إلى ساحات معركة، وكأن الأخلاق تُقاس بالمظاهر لا بالبنية!
تغيير أسماء الشوارع والميادين… كأن تبديل اللافتة يغيّر الواقع، أو يمحو التاريخ!
تحريم هنا وتحليل هناك…
كل تفصيلة تُدفع إلى الواجهة كأنها مصير…
وكل قضية حقيقية تُسحب إلى الخلف كأنها تفصيل!
وهكذا، يُعاد ترتيب وعي الناس قطعة قطعة…
حتى يصبح الضجيج هو الحقيقة، والحقيقة مجرد هامش لا يُسمع!
قلت في الأعلى أن الإنسان لا يحتمل القلق الكبير لفترة طويلة… سأقوم بتبسيط الشرح أكثر:
حين تكون هناك أزمات حقيقية (اقتصاد، حرب، انهيار دولة)، يدخل العقل في حالة إنهاك… فيبحث عن معارك صغيرة، واضحة، يمكن فهمها بسرعة، والانتصار فيها وهمياً!
وهكذا يتحول القلق الوجودي إلى شجار يومي تافه… يشبه شجار الجيران على صوت التلفاز، بينما البيت يحترق!
هذه تُسمى في علم النفس:
“إزاحة القلق” (Displacement) لكن بشكل جماعي مدروس!
والسؤال هنا: ما الذي يجري في العمق، إذا ما أردنا فهمها فلسفياً؟!
ببساطة، السلطة هنا لا تحكم بالقوة فقط… بل بإعادة تعريف ما هو “مهم”!
حين تنجح في جعل التافه يبدو مصيرياً، تكون قد سيطرت على وعي الناس دون أن تلمسهم!
هذه هي أخطر مراحل السيطرة:
ليس أن تمنع التفكير…
بل أن تُحدّد للناس بماذا يفكرون!
السلطة لا تفرض الحقيقة… بل تصنع “مجال الحقيقة” نفسه!
هي لا تقول لك ماذا تؤمن…
بل تحدد لك قائمة الأشياء التي يجب أن تختلف عليها!
المرحلة الأخطر في لعبتهم:
يصدمونك بأقصى تطرف…
ثم يتراجعون قليلاً… (حركة تصحيحية)!
فتشعر أن هذا التراجع هو “انتصار”!
بينما أنت في الحقيقة ابتلعت كل ما قبله!
هذا ما يُعرف نفسياً بـ:
“نافذة أوفرتون” (Overton Window)!
يحرّكون حدود المقبول خطوة خطوة…
حتى يصبح ما كان مرفوضاً بالأمس، “حلّاً وسطاً” اليوم!
ولماذا تنجح هذه اللعبة دائماً في مجتمعاتنا؟!
لسبب بسيط ومؤلم:
لأن الناس لا تريد الحقيقة… بل تريد راحة مؤقتة من الخوف!
والتفاهة تمنحك هذه الراحة!
تعطيك شعوراً زائفاً بأنك “تفهم ما يجري”… بينما أنت مجرد متفرج في مسرحية مكتوبة بإحكام!
أما أخطر ما في كل هذا…
فهو أن الذاكرة الجماعية تُمسح بسرعة!
كل يوم قضية…
كل أسبوع ضجيج…
كل شهر مسرحية جديدة!
حتى يصبح الإنسان كائناً بلا سياق…
ينفعل، يصرخ، ينسى… ثم يعيد نفس الدورة!
وهنا لا تحتاج السلطة أن تكون ذكية جداً… يكفي أن تكون أكثر صبراً من وعي الناس!
ما أريد إيصاله لكم ليس تحليلاً سياسياً فقط… بل تشريح لآلية كاملة تُدار بها الشعوب الموبوءة!
والمرعب ليس أنهم يفعلون ذلك…
المرعب أن اللعبة أصبحت مكشوفة… ومع ذلك ما زالت تنجح!
لأن كشف الخدعة لا يعني التحرر منها…
التحرر يحتاج شيئاً أصعب بكثير:
أن ترفض أن تُستدرج… حتى وأنت غاضب!
أن تدرك أن كل ما يثيرك ليس بالضرورة مهماً…
وأن أكثر ما يُدفع لك إلى الواجهة… قد يكون أقل ما يجب أن تنشغل به!
التحرر الحقيقي لا يبدأ حين تفهم اللعبة…
بل حين ترفض أن تلعبها أصلاً!
ملاحظة لا تحتمل التأجيل:
لا تنشغلوا بتفاهة السلطة… فهذه هي اللعبة التي يريدونكم أن تلعبوها!
كل هذا الضجيج حول الحجاب والخمر والجامعات والقوانين السخيفة… ليس صدفة، ولا عفوية، ولا حتى غباء!
إنه مسرح مُعدّ بعناية، هدفه الوحيد أن يسحبكم من المعركة الحقيقية إلى مستنقع التفاصيل!
كلما غضبتم أكثر من هذه التفاهات… كلما نجحت اللعبة أكثر!
هذه السلطة الداعشية لا تعيش على قوتها… بل على قدرتها على إشغالكم!
تستفزكم لتصرخوا… ثم تترككم تدورون في نفس الدائرة، بينما تُدار الأمور الحقيقية في مكان آخر!
لا تعطوها هذا الامتياز!
ارفضوها… نعم!
اكشفوها… نعم!
لكن لا تغرقوا في تفاصيلها… لا تجعلوا يومكم ومعارككم مرهونة بتفاهاتها!
لأن الحقيقة أبسط وأوضح:
مصير هذه السلطة معروف… ومنهي مسبقاً!
وكل ما يحدث الآن ليس إلا مرحلة ضمن سيناريو أكبر… سينتهي بها كما تنتهي كل الأدوات المؤقتة!
لهذا، بدل أن تُستنزفوا في ردود فعل يومية… ارفعوا نظركم إلى الصورة الأكبر!
وقد قلت هذا بوضوح قبل سنة…
ومن يريد أن يفهم أكثر، فليراجع مقالي على موقعي:
“نهاية الجولاني مع نهاية ايران”!
هناك تتضح القصة كاملة… بعيداً عن الضجيج الذي يُراد لكم أن تضيعوا فيه!