اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات اقتصاد التفاهة!

اقتصاد التفاهة!

0
اقتصاد التفاهة!

ربما مرّ هذا السؤال في ذهنك يوماً، ثم مرّ سريعاً كما تمرّ المقاطع نفسها!
لماذا أصبح من الصعب علينا متابعة فيلم كامل؟!
لماذا تبدو القراءة الطويلة فجأة مرهقة؟!
لماذا نشعر أننا نشاهد أشياء كثيرة… لكننا لا نتذكر منها شيئاً تقريباً؟!

قد يبدو الأمر عادياً للوهلة الأولى، مجرد تغيّر في عادات الترفيه!
لكن خلف هذا التغيّر البسيط ظاهرياً، تجري واحدة من أخطر التحولات التي عرفها العقل البشري في العصر الحديث!

لم يعد الفيلم فيلماً!
لم تعد الفكرة فكرة!
وحتى المشهد… لم يعد مشهداً!

كان العمل يوماً ما عالماً كاملاً ندخله لساعتين ونخرج منه بشيء يشبه التحوّل!
كنا نجلس، نصبر، نتابع فكرة تنمو ببطء، تتعقّد، تصارع، ثم تصل إلى خاتمتها!

اليوم يحدث العكس تماماً!

تمسك بخيط… فيُقطع!
يُرمى لك خيط آخر… فيُقطع!
ثم ثالث… ثم عشرات المقاطع التي لا تبدأ فعلاً ولا تنتهي فعلاً!
مجرد ومضات تتلاحق حتى يصبح العقل نفسه شاشة تقفز فيها اللقطات بلا سياق ولا ذاكرة!

من المسؤول؟!
طبعاً ليس شيطاناً يجلس في غرفة مظلمة يخطط لتخريب عقول البشر كما يتخيل البعض!

المسؤول منظومة كاملة أسميها: اقتصاد الانتباه!

شركات مثل ميتا وتيكتوك ويوتيوب وغيرها لم تعد تبيع محتوى!
هي تبيع شيئاً أخطر بكثير: وقتك! تركيزك! انتباهك!

الخوارزميات لا تسأل: ماذا تحتاج؟!
بل تسأل سؤالاً واحداً فقط: ما الذي يجعلك تبقى ثانية إضافية؟!

وثانية إضافية تعني إعلاناً إضافياً!
وإعلاناً إضافياً يعني ربحاً إضافياً!
وربحاً إضافياً يعني خوارزمية أكثر جوعاً لدماغك!

حين كان الفيلم طويلاً، كان الصبر شرط الدخول!
والصبر كان يسمح للفكرة أن تنمو، للصراع أن يتشكل، للمعنى أن يتبلور!

أما الآن فالمشهد يُقطع قبل أن يكتمل!
لأن الاكتمال خطر!

الاكتمال قد يشبعك!
والشبع قد يجعلك تغلق الهاتف!

أما النقص الدائم… فيبقيك جائعاً!

جائعاً لمقطع آخر!
ثم آخر!
ثم آخر!

لكن السؤال الأعمق ليس: لماذا تفعل الشركات ذلك؟!
السؤال الأهم: لماذا نشارك نحن في هذه الحفلة؟!

ربما لأن الإنسان المعاصر منهك حتى العظم!
من السياسة!
من الاقتصاد!
من الهويات المتصارعة!
من القلق اليومي الذي لا يتوقف!

المقطع القصير يعمل كجرعة تخدير!
لا يطلب منك جهداً!
لا يفرض عليك فهماً!
لا يجبرك على التفكير!

يمر فوق عقلك كما تمر قطرة ماء فوق زجاج أملس!

ثم هناك خدعة أخرى أكثر دهاءً: وهم الظهور!

أن تنشر مقطعاً!
أن تحصل على إعجاب!
أن تُرى… ولو لثوانٍ!

الثواني أصبحت عملة العصر!

لم يعد المهم أن تقول شيئاً ذا قيمة!
المهم أن تُشاهَد!

المشاهدة حلّت مكان المعنى!

لكن الكارثة الحقيقية ليست في التفاهة نفسها… بل في ما تفعله بأدمغتنا!

الانتباه يتفتت!
التركيز يتآكل!
القراءة الطويلة تتحول إلى عبء!
والمقال العميق يبدو كجبل مرهق!

هكذا يحدث أخطر أشكال التدمير:
تسطيح العقل دون أن يشعر صاحبه بأنه يُسطَّح!

لسنا أمام مؤامرة سرية بقدر ما نحن أمام تواطؤ جماعي!

الشركات تريد الربح!
المؤثر يريد الانتشار!
والمتلقي يريد الهروب!

وهكذا تكتمل الدائرة!

ملايين المقاطع تُنتج كل دقيقة…
لا فكرة!
لا سؤال!
لا أثر!

لكن الأخطر من التفاهة… هو الاعتياد عليها!

حين يصبح المشهد المبتور هو الطبيعي!
والفكرة الناقصة هي القاعدة!
والعمق يبدو شيئاً غريباً يخصّ عصوراً قديمة!

عندها يفقد العقل قدرته على الصبر!
يفقد قدرته على متابعة فكرة حتى نهايتها!
يفقد قدرته على احتمال التعقيد!

هل يمكن الخروج من هذا الطوفان؟!
نعم… لكن بثمن!

أن تعود إلى القراءة الطويلة!
أن تشاهد فيلماً كاملاً دون هاتف في يدك!
أن تتحمل ملل الدقائق الأولى حتى تصل إلى المعنى!

أن تستعيد حقك في التركيز… كفعل مقاومة!

لأن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض… ولا فقط على السياسة!

المعركة على انتباهك أنت!

ومن يملك انتباهك… يملك وعيك!
ومن يملك وعيك… يعيد تشكيلك كما يشاء!

ولهذا فالمسؤول ليس “هم” فقط!

المسؤول أيضاً ذلك الإصبع الذي يمرّر الشاشة مئات المرات في ساعة واحدة…
دون أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه:

ماذا خرجتُ من كل هذا؟!

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي…
ليس عنهم!

بل عنّا نحن!

العالم لن يتوقف عن إنتاج الضجيج!
لكن الإنسان ما زال يملك خياراً بسيطاً وصعباً في آن واحد: أن يستعيد انتباهه!

لأن من يفقد انتباهه… يفقد نفسه أيضاً!