اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات في ذكرى المجزرة؛ الذاكرة التي ترفض أن تموت!

في ذكرى المجزرة؛ الذاكرة التي ترفض أن تموت!

0
في ذكرى المجزرة؛ الذاكرة التي ترفض أن تموت!

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، لم يكن الهاتف مجرد جهاز يتلقى الرسائل والاتصالات… كان باباً يُفتح على جحيم حيّ!

اتصالات خرجت من الغابات، من بين الأشجار التي تحولت فجأة إلى شهود على المذبحة!
أصوات مختنقة بالبكاء، صرخات نجدة، نواح لا يشبه نواح البشر بل يشبه صوت إنسان يُسحب من الحياة وهو لا يفهم لماذا!
كانوا يطلبون النجدة… يطلبون أي شيء… أي يد تمتد في العتمة!

تجمدت!

ليس خوفاً فقط… بل صدمةً تشلّ العظام!
ذلك النوع من الصدمة الذي يجعل العقل عاجزاً عن ترتيب فكرة واحدة وسط هذا الطوفان من الألم!

سألت نفسي مراراً: لماذا أنا؟!
لماذا يرسل الناس إليّ أنا تحديداً؟!
ثم تذكرت… في لحظات الرعب، الإنسان لا يبحث عن الأقوى، بل عن من يظن أنه لن يتخلى عنه!

لكن هذه الثقة لم تُشعرني بالفخر… بل كسرتني!

لأنني شعرت بعجز لم أعرفه في حياتي!
ماذا يمكن أن أفعل؟!
هل أملك جيوشاً أحركها للدفاع عن الضعفاء؟!
هل أستطيع أن أوقف القتلة بكلمة؟!
هل بيدي أن أوقف السكاكين التي كانت تفتح صدور القرى؟!

بدأنا نحاول… اتصالات يائسة بكل جهة سياسية يمكن أن تسمع!
إرسال التوثيقات، الصور، التسجيلات… صرخات بشرية تُنقل عبر الهواتف!

لكن في كل مرة كنا نصل فيها إلى جهة ما… كان الساحل قد غرق أكثر في دمه!

نعم… في مثل هذا اليوم قبل عام، اجتاح السفاحون جبال الساحل!

لم يدخلوها كخصوم… بل ككراهية تمشي على قدمين! دخلوا بعنصرية عمياء، وبوحشية لا يقدر عليها إلا من تعفن قلبه حتى فقد أي أثر للإنسان!

ولم تغب عن ذاكرتي صورة واحدة!
عجوز… تقف بين جثث أبنائها!
لا تبكي… لا تنهار…
بل تواجه القتلة بعينين لم تنكسر فيهما الحياة بعد!

وتقول لقتلة أبنائها كلمة واحدة فقط:
فشرتوا!

أي شجاعة تلك التي تقف فوق كومة موت وتعلن التحدي؟!
أي قلب يمكنه أن ينطق الكرامة بينما الدم ما يزال ساخناً على الأرض؟!
في ذكرى مجزرة الساحل… لا تختلط المشاعر فقط!

إنها تتحطم داخل الصدر!

غضب… حزن… خجل من هذا العالم الذي ترك الناس يُذبحون وهم يصرخون في الشوارع والغابات التي هربوا إليها من وحوش لم تعرفها حتى الغابات ذاتها من قبل!

عام مرّ… لكن الحقيقة لم تمر!

فبعض المذابح لا تنتهي عندما يتوقف القتل… بل عندما يتوقف العالم عن الكذب بشأنها!
وهذا… لم يحدث بعد!

أيها الراحلون… أنتم لم تموتوا!

أنتم فقط استرحتم من جحيمنا!

نحن من مات… ونحن من يموت كل يوم!

ليس فقط لأنكم غبتم… بل لأن قاتليكم ما زالوا يسرحون ويمرحون في كل مكان!
يمشون بين الناس بلا خجل، ويحصلون أحياناً على الجوائز والمناصب على جرائمهم!

جرائمهم لم تتوقف بعد رحيلكم!

ذهبوا ليفجروا كنائس في مكان، ويخطفوا الناس في مكان آخر… ثم جاءت مجزرة السويداء لتقول لنا إن آلة الموت ما زالت تعمل بلا توقف!

هل تفهمون الآن لماذا أقول إن الذين رحلوا هم من نجوا من الحياة بأعجوبة؟!

أنتم خرجتم من هذا الجحيم!

أما نحن… فنموت كل يوم!

نموت ونحن نرى الدم يُكافأ، والقتلة يُبرَّؤون، والضحايا يُطلب منهم الصمت كي لا يزعجوا ضمير العالم الكاذب!

للأرواح البريئة كل الراحة والسلام!

ولنا… من الألم ما لا تحتمله الجبال!