اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات التواطؤ الصامت؛ سيرة جيلٍ خاف أن يكون حراً!

التواطؤ الصامت؛ سيرة جيلٍ خاف أن يكون حراً!

0
التواطؤ الصامت؛ سيرة جيلٍ خاف أن يكون حراً!

إلى الأجيال التي لم تولد بعد…
إلى أولئك الذين سيجلسون يوماً ما بين ركام هذا الخراب ويسألون بمرارة: كيف فعل بنا آباؤنا وأجدادنا هذا؟!
كيف أورثونا كل هذا الخوف، كل هذا الانقسام، كل هذا العطب النفسي؟!

ستعودون إلى الماضي كما عدنا نحن قبلكم!

ستفتشون في الكتب، في المقالات، في الأصوات التي صرخت خارج السرب!

ستبحثون عن تفسيرٍ لا يشبه الأعذار الجاهزة، بل يعرّي الحقيقة كما هي!

وعندها، ستجدون ما ظللت أكتبه وأصرخ به على مدى عقدين من الزمن!

دعوني أسبق تلك اللحظة وأقول لكم شيئاً من معاناتي كباحث عن الحقيقة!

كإنسان رفض أن يكون رقماً في قطيع!

رفض أن يرى الحقيقة ثم ينحني للخرافة حفاظاً على دفء الجماعة!

رفض أن يشتري الأمان بثمن عقله!

لقد عدنا نحن ايضاً إلى الماضي لنفهم حاضرنا!

فتحنا كتب الأسلاف لا لنقدّسها، بل لنفككها!

قرأنا النصوص التي شكّلت وعينا الجمعي، فوجدنا شيئاً أكثر إيلاماً من الجهل:
وجدنا معرفةً صامتة!

وجدنا رجالاً ونساءً رأوا التناقض… ثم اختاروا السلامة!

أدركوا العطب… ثم فضّلوا الانتماء على الصدق!

علموا الحقيقة… ولم يناصرونها!

الجبن لم يكن في عدم الرؤية!

كان في رؤية الحقيقة والسكوت عنها!

في تفضيل سياسة القطيع على الصراخ في وجه الوهم!

في توريث الخوف جيلاً بعد جيل وكأنه فضيلة!

إن كنتم تقرأونني في زمن قادم، فاعلموا أن المعركة لم تكن بين حقٍ باهر وباطلٍ غامض!

كانت بين شجاعة مكلفة وطمأنينة زائفة!

بين إنسان يختار أن يقف وحيداً، وآخر يختار أن يذوب في الجمع!

وهذا هو الإرث الحقيقي الذي يحدد مصير الأمم:
ليس ما نعرفه… بل ما نجرؤ على فعله بما نعرفه!

هناك لحظة صادمة في حياة أي كاتب حقيقي!

لحظة يكتشف فيها أن المشكلة ليست في غياب الحقيقة… بل في عجز الناس عن احتمالها!

أن تصرخ بالحقيقة فلا تُكذَّب، بل تُصفَّق لك… ثم يُدار الظهر وتمضي الجموع إلى أوهامها وكأن شيئاً لم يحدث!

هذه ليست مفارقة عابرة، هذه عِلّة حضارية كاملة!

أنا لا أواجه جهلاً بسيطاً!

الجاهل على الأقل صادق في رفضه!

أنا أواجه إنساناً يرى، يعترف، يوافق… ثم يختار العمى بإرادته!

وهنا تبدأ القصة المؤلمة!

أكلم الناس عن الحقيقة فأراها في أعينهم!

يقولون لي: نعم، أنت على حق!

أقول لهم إن السفالة لا تعيش إلا على صمتهم ومشاهداتهم!

يهزون رؤوسهم موافقة!

ثم يعودون ليمنحوا السفلة مزيداً من التفاعل!

أقول لهم إن البنية الدينية الموروثة في مجتمعاتنا ليست مجرد عقيدة، بل نظاماً نفسياً ينتج القلق والشعور بالذنب المرضي والانقسام الداخلي!

أضع الدراسات، أفكك النصوص، أستدعي التحليل!

يعترفون!

ثم يعودون إلى الطقوس نفسها، إلى الخوف نفسه، إلى التبريرات نفسها!

ما الذي يحدث؟!

نحن أمام ما سماه ليون فستنغر بالتنافر المعرفي!

حين تتصادم الحقيقة مع صورة الذات، لا ينهار الإنسان… بل يعيد ترتيب الوهم ليحمي نفسه!

الاعتراف يعني أن سنوات من التسليم كانت خطأ!

أن قرارات مصيرية بُنيت على يقين زائف!

والنفس البشرية في جيلنا تفضّل الحفاظ على كرامتها المتخيلة على مواجهة انكشافها!

لكن الأمر أعمق من ذلك!

الدين، في كثير من البيئات، ليس فكرة يمكن تبديلها!

إنه هوية!

هو الأب الرمزي، والذاكرة الجماعية، والحدود النفسية التي تحمي الإنسان من رعب الفراغ!

وهنا نتذكر قراءة سيغموند فرويد للدين كامتداد لحاجة طفولية إلى الحماية!

حين تنتزع منهم هذا السقف فجأة، لا تتركهم في حرية مشرقة… بل في فراغ كوني مخيف!

وقلة قليلة فقط تملك شجاعة النظر إلى الفراغ دون أن ترتجف!

ثم هناك العجز المتعلّم كما شرحه مارتن سيليغمان!

مجتمعات عاشت دهراً تحت القهر، تعلّمت أن لا جدوى من المقاومة!

أن التغيير مكلف!

أن النجاة في الصمت!

يقول لك: أنت على حق!

لكنه في داخله مقتنع أن الحق بلا قوة لا يغيّر شيئاً!

فيستسلم قبل أن يبدأ!

ولا يمكن تجاهل أخلاق القطيع التي فضحها فريدريك نيتشه!

الإنسان لا يخاف الخطأ بقدر ما يخاف العزلة!

أن تخرج من السرب يعني أن تتحمل نظرات الاتهام، همسات التخوين، وربما القطيعة!

الكثيرون يفضلون الكذب الجماعي على الصدق الفردي، لأن الانتماء يمنحهم دفئاً زائفاً!

بل دعوني أسمي الأشياء بأسمائها!

نحن أمام جبن وجودي!

هروب من الحرية كما وصفه إريك فروم!

الحرية ليست شعاراً، بل مسؤولية ثقيلة!

أن تعرف الحقيقة يعني أنك ملزم بأن تتصرف وفقها!

أن تغيّر سلوكك!

أن تدفع الثمن الاجتماعي والنفسي!

والكثيرون يريدون وعي الحقيقة… دون تكلفة الحقيقة!

ولهذا يعيشون بانقسام داخلي مزمن!

عقل يعترف!

وقلب يخاف!

ضمير يستيقظ لحظة!

ثم ينام حفاظاً على السلامة!

هنا يتكوّن اضطراب أخطر من أي تشخيص سريري!

اضطراب التواطؤ الصامت!

حيث يتحول الصمت إلى مشاركة!

والمشاهدة إلى تمويل!

والموافقة اللفظية إلى خيانة عملية!

المأساة ليست أنهم لا يرون!

المأساة أنهم يرون… ثم يختارون أن لا يفعلوا!

والذنب الحقيقي ليس في الخطأ الأول!

بل في الإصرار عليه بعد انكشافه!

كل من يقرأ هذه الكلمات ويشعر بوخز خفيف في صدره…

ذلك الوخز ليس هجوماً عليك!

إنه بقايا شجاعة لم تمت بعد!

لكنك تخنقها كلما قلت: “نعم، صحيح”… ثم عدت إلى حياتك كأن شيئاً لم يكن!

اسأل نفسك بصدق لا يحتمل المراوغة!

كم مرة صفّقت للحقيقة ثم خذلتها؟!

كم مرة رأيت الانحطاط ولم تقاطعه؟!

كم مرة أدركت أن خوفك هو سيدك الحقيقي ثم أقنعت نفسك أنك “واقعي” فقط؟!

التاريخ لا ينهار بسبب الجهل وحده!

ينهار حين يعرف العقل… ويصمت الضمير!

وفي النهاية، لا تخدع نفسك بفكرة أنك ضحية منظومة أكبر منك!

المنظومات تعيش بك!

تكبر بصمتك!

تتغذى على تردّدك!

إن كنت ترى… فأنت مسؤول!

إن كنت تعلم… فأنت شريك إن لم تتحرك!

الحقيقة لا تموت لأنها ضعيفة!

تموت لأن من عرفها لم يجرؤ على حمايتها!

وهنا السؤال الذي لا مهرب منه:

هل ستبقى إنساناً يعرف… أم ستصبح إنساناً يفعل؟!

فيا أعزائي في الأجيال التي لم تولد بعد…

إن وصل إليكم صوتي يوماً، فاعلموا أنني لم أكتب من برجٍ عاجي، ولا من ترفٍ فكري، ولا من رغبة في الاستعراض!

لقد تعبت! نعم، تعبت حتى نقي عظامي!

قدت مشاريع ثقافية كثيرة، حلمت أن تكون بذوراً في أرضٍ قاحلة، فلم أجد حولها إلا قلة نادرة، بينما كان الصمت أكثر عدداً من البشر!

حاولت أن أوقظ، أن أحرّض، أن أزرع أسئلة تقلق النوم… لكن الخذلان كان أوسع من أرضنا، واليأس كان أقرب من الرفيق!

وكم مرة فكرت أن أستسلم!

أن أضع القلم جانباً وأقول: يكفي!

لكنني لم أملك رفاهية الاستسلام كما امتلكها قومي!

هؤلاء الذين لا يجمعني بهم شيء سوى صدفة الولادة في المكان الخطأ والزمان الخطأ!

هم اختاروا الطمأنينة الرخيصة!

أما أنا، فكان عليّ أن أختار القلق النبيل!

إن حدث يوماً وسمعتم أنني صمتُّ…

إن وجدتم فجوة في صوتي أو انكساراً في لغتي…

فاعلموا أنني لم أستسلم لأن الحقيقة ضعفت، بل لأن الوحدة بلغت ذروتها!

لأن الإنسان، مهما اشتدّ عوده، له حدٌّ في الاحتمال!

لأن رؤية الخراب يومياً دون سند، دون كتفٍ يشاركك العبء، تترك في الروح شقوقاً لا يراها أحد!

وإن امتلكتُ يوماً ما تلك “الرفاهية” التي حُرمتها طويلاً…

رفاهية أن أنسحب…

فاعلموا أنني وصلت إلى مرحلة من الوحدة والانهيار فاقت قدرتي على تحمّل هذا الكم الهائل من الدمار الأخلاقي!

مرحلة يصبح فيها الصمود نوعاً من التعذيب، لا بطولة!

لكن قبل أن تحاكموا جيلي، وقبل أن تقولوا: لماذا لم يفعلوا أكثر؟!

تذكّروا أن بعضنا حاول!

أن بعضنا صرخ حتى بُحّ صوته!

أن بعضنا دفع من أعصابه وصحته وطمأنينته ثمناً لمحاولة أن يفتح نافذة في جدارٍ أصم!

فإن وجدتم في زمنكم شجاعةً أكبر…

فلا تكرروا خطأنا الأكبر:
لا تعرفوا الحقيقة ثم تتركوها وحيدة!

وإن كان لي أن أطلب منكم شيئاً أخيراً، فهو هذا:

لا تجعلوا من تعبنا حكايةً مؤثرة فحسب!

اجعلوه دليلاً على أن الإنسان قد يُهزم جسداً…

لكن الفكرة التي صرخ بها، إن حملتموها أنتم بشجاعة لم يمتلكها جيلي، لن تموت!

محبتي لكم…

أنا الذي ما زلت، حتى هذه اللحظة من هذا التاريخ المزدحم بالقسوة، أؤمن بالحرية كقيمة لا تُساوَم، وبالحب كقوة لا تُختزل في ضعف، وبالأخلاق الجميلة كفعلٍ شجاع لا كشعار يُعلَّق على الجدران!

أؤمن بها في زمنٍ صار يسخر من النبل، ويعتبر الرحمة سذاجة، والصدق تهوراً، والموقف الأخلاقي خسارةً غير محسوبة!
زمنٍ لم يعد يعترف بهذه الكلمات إلا قلة تُتهم بالحماقة لأنها رفضت أن تتلوث لتنجو!

نعم، إن كان الإيمان بالحرية جنوناً، فأنا من هؤلاء “المجانين”!
وإن كان الدفاع عن الحب في عالمٍ متوحش ضرباً من السذاجة، فلتُكتب سذاجتي بوضوح!
وإن كانت الأخلاق الجميلة عبئاً في سوق المصالح الرخيصة، فأنا اخترت العبء على أن أعيش خفيفاً بلا معنى!

قد يخسر أمثالي الكثير!
قد يُتعبهم الطريق، وتُرهقهم الخيبات، ويطول بهم الانتظار!
لكنهم، على الأقل، لا يخسرون أنفسهم!

وما قيمة أن تربح العالم كله… إن كنت قد خسرت روحك في الطريق؟!