اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات طيبة قلب، أم غباء فاضح؟! 

طيبة قلب، أم غباء فاضح؟! 

0
طيبة قلب، أم غباء فاضح؟! 


قبل أن نرفع الطيبة إلى مقام القداسة، وقبل أن نصفّق لكل من يوزّع حسن النية بلا حساب، علينا أن نتوقّف لحظة واحدة فقط ونسأل السؤال الذي يهرب منه الجميع!

هل ما نراه طيبة قلب فعلاً، أم غباءً فاضحاً يتخفّى خلف نوايا حسنة؟!

فلطالما ورّطنا البعض بمشاكل تحت مسمّيات “طيبة قلبه”!

ولطالما ابتعدنا عن أناس نحبهم، لا كرهاً بهم، بل لأنهم لا يفرّقون بين طيبة القلب والغباء الجالب للمشاكل!

ما يُسمّى طيبة في هذا العالم ليس دائماً قيمة أخلاقية، بل كثيراً ما يكون انسحاباً مقنّعاً من معركة الوعي!

الغباء حين يلبس ثوب الطيبة يصبح محصّناً أخلاقياً ضد النقد، وكأن مجرد حسن النية يعفي صاحبه من التفكير، ومن تحمّل تبعات اختياراته!

نحن لا نخاف الطيبة بحد ذاتها، بل نخاف ما تجرّه معها من كلفة خفية لا يذكرها أحد، ولا يحذّر منها وعّاظ الأخلاق!

نخاف أن ندخل إنساناً صادقاً إلى حياتنا، لا لأننا نشك بنقائه، بل لأننا نعرف قسوة العالم أكثر مما يعرفها هو!

نحن، الذين نُتّهم بالقسوة والوضوح والحدّة، لا نكره الطيبين، بل نكره الثمن الذي يُفرض علينا بسبب عجزهم عن رؤية الواقع!

نُجبر على أن نكون الحاجز، والمصدّ، والمترجم القاسي لعالم لا يعرف المجاملات، بينما هم يوزّعون الثقة كما تُوزّع الصدقات!

البساطة، في علم النفس، ليست فضيلة بريئة كما تُسوَّق، بل نمط وعي منخفض الدفاعات، مكشوف على مصراعيه أمام عالم لا يرحم!

البسيط لا يرى الشر لأنه لا يعيش في قاموسه، والنذل لا يحتاج أكثر من هذه الثغرة ليبني إمبراطوريته الصغيرة على حسابه!

المشكلة أن الغباء حين يُسمّى طيبة يطالبك بالصمت احتراماً له!

يطلب منك أن تتحمّل نتائجه، أن تُصلح ما خرّبه، وأن تعتذر نيابة عنه لأنه “لم يقصد”!

هنا تبدأ المأساة المزدوجة!

إما أن يتحمّل البسيط تعباً لا يطاق بسبب فارق نمط الحياة، وفارق الحذر، وفارق قراءة النوايا، أو يتحوّل الطرف الآخر، تدريجياً، إلى مستغلّاً يبرّر أذاه باسم الصداقة والقرب والظروف!

في علم النفس، هذا النمط ليس براءة، بل إنكار!

إنكار لوجود الشر، وإنكار للصراع، وإنكار لحقيقة أن البشر ليسوا ملائكة ينتظرون فرصة ليُحسنوا!

في الفلسفة الأخلاقية، الطيبة غير الواعية ليست فضيلة، بل عجزاً عن رؤية الواقع كما هو!

كانط نفسه لم يقل يوماً إن الأخلاق تعني أن تكون أحمق، بل أن تكون مسؤولاً عن أفعالك ونتائجها!

الطيبة الحقيقية تحتاج عقلاً شرساً يحرسها!

أما الطيبة العارية، فهي دعوة مفتوحة لكل مفترس اجتماعي يعاني من عقد نقص، ويبحث عن ضحية يعلّق عليها فشله!

البسيط الذي يرفض التعلّم لا يعيش في سلام، بل يعيش في وهم!

والوهم لا يحمي أحداً، بل يؤجّل الصدمة فقط، ويجعلها أعنف حين تقع!

علم النفس الاجتماعي واضح هنا!

الأشخاص ذوو النزعات النرجسية أو السيكوباتية لا ينجذبون للأقوياء، بل للبسطاء الذين يخلطون بين حسن النية وغياب الحدود!

وهنا تأتي الجملة المؤلمة التي لا يحب أحد سماعها، وأرددها دائماً:

الفرق بين الطيبة والغباء شعرة!

شعرة رفيعة لدرجة أن المجتمع نفسه تواطأ على خلط المفهومين، وسمّى الغباء طيبة، لا حباً بالطيبين، بل خوفاً من جرحهم بالحقيقة!

الكثيرون يكذبون عليهم بدافع الشفقة، ويتركونهم يواجهون الذئاب وحدهم بدافع الأخلاق الزائفة!

يصفّقون لهم وهم يُستنزفون، ويسمّون صمتهم نبلاً، وانكسارهم تسامحاً، وخسارتهم سموّاً!

نحن لا نستطيع التعايش مع الغباء المُقدّس، لأننا نعرف كيف يُنتج الخراب!

يعلم القوي أن كل علاقة بلا حدود هي مشروع استغلال مؤجّل!

الطيبة غير الواعية تُحوّل القوي إلى شرير في الرواية الاجتماعية!

فحين تضع حدودك، تُتّهم بالقسوة، وحين ترفض الابتزاز العاطفي، تُصنّف كعديم الرحمة!

المجتمع يحب هذا التشويه، لأنه يحتاج إلى أضحية أخلاقية!

يحتاج إلى شخص واضح يعلّق عليه فشله، بدلاً من الاعتراف بأن الغباء فضيلة مزيفة!

الإنسان الطيب الذي لا يتعلّم الشك، محكوم عليه إمّا بالتعب المزمن أو بالتحوّل إلى نسخة مشوّهة من نفسه، حاقدة، مرتابة، فاقدة للإيمان بالبشر!

الغباء المسمّى طيبة لا يكتفي بإيذاء صاحبه، بل يلوّث من حوله!

يخلق مشاكل، ثم يتركك تنظّف الفوضى، ويغادر وهو مقتنع أنه إنسان نقي!

لهذا نخاف إدخال بعض الطيبين إلى حياتنا، لا احتقاراً لهم، بل أحياناً خوفاً عليهم منّا، ومن عالم لا يفهم لغتهم!

نخاف أن نكون نحن أول درس قاسٍ لهم، أو آخر وهم جميل يموت بين أيدينا!

نخاف أن نُجرّ إلى معارك لم نخترها بسبب سذاجتهم!

نخاف أن ندفع ثمن وعيهم المؤجّل من أعصابنا، ووقتنا، واستقرارنا!

لهذا نحن لا نفتح حياتنا لكل طيب، ولا نثق بكل بسيط!

نحن نختبر الوعي قبل النية، والفهم قبل المشاعر، والحدود قبل القرب!

القوة الحقيقية ليست في القسوة، بل في القدرة على الرفض دون شعور بالذنب!

وفي القدرة على قول: لا، دون الحاجة إلى خطبة أخلاقية!

الطيبة لا تُدان، لكن تقديسها بلا وعي جريمة!

والبساطة ليست عيباً، إلا حين ترفض أن تتعلّم كيف تحمي نفسها!

الطيبة التي لا تحمي نفسها تتحوّل إلى عبء على الجميع!

والبساطة التي ترفض التطوّر ليست نقاءً، بل عناداً مقنّعاً بالبراءة!

في هذا العالم، لا يكفي أن تكون طيباً لتنجو!

ولا مكان للطيبة الكسولة!

إما طيبة مسلّحة بالعقل، أو لا طيبة على الإطلاق!

فالنية وحدها لا تُنقذ، والنقاء وحده لا يحمي!

عليك أن تكون طيباً… وذكياً! 

وإلا سُمّيت طيباً حتى النهاية، ثم دُفنت تحت هذا الوصف!

ومن يرفض أن يفهم هذا، فليتحمّل وحده كلفة جهله، لا أن يفرضها علينا باسم الفضيلة!