اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات الثقافة والاكتفاء الاقتصادي؛ المقبرة الوحيدة للديكتاتوريات!

الثقافة والاكتفاء الاقتصادي؛ المقبرة الوحيدة للديكتاتوريات!

0
الثقافة والاكتفاء الاقتصادي؛ المقبرة الوحيدة للديكتاتوريات!

أعداء الزريبة الحالية ليسوا أعداء الديكتاتورية، بل أعداء الخصومة فقط، وأعداء خسارة الامتياز، وأعداء تبدّل الحارس على باب القفص!
هم لا يكرهون القمع، بل يكرهون أن لا يكون القامع من جماعتهم!
ولهذا يلهثون خلف فضائح قديمة، محفوظة، مستهلكة، يعرفها العالم أكثر مما يعرف أسماء عواصمهم!

يتوهمون أنهم أبطال لأنهم نبشوا مقطعاً أو صورة أو تصريحاً من الماضي!
والحقيقة أنهم يمارسون أكثر أشكال العجز شيوعاً: الصراخ داخل غرفة يعرف الجميع أنها تحترق!
العالم لا يتعامل مع العصابات بوصفها أخلاقاً، بل بوصفها مصالح!
ومن يظن أن كشف الماضي يسقط نظاماً، لم يفهم شيئاً عن آلية السلطة ولا عن تاريخ القمع!

كل ديكتاتورية، قديمة كانت أو جديدة، تفهم لعبة الإلهاء جيداً!
تفهم أن أخطر عدو لها ليس الفضيحة، بل الوعي!
وليس الهتاف، بل السؤال!
وليس الشارع وحده، بل العقل الذي لم يعد يقبل التبرير!

لذلك تُغرق الناس في مستنقع التفاهة!
قرارات عن اللباس، عن الاختلاط، عن المساحيق، عن الشعائر، عن مظاهر دينية فارغة من أي مضمون إنساني!
تبني دور عبادة أكثر من عدد المصلّين، لأن الطقوس أسهل من العدالة، ولأن الخضوع أسهل من الفهم!
وتترك الاقتصاد يُنهب، والتعليم يُفرغ، والثقافة تُخنق، بينما القطيع مشغول بمعارك وهمية لا تغيّر شيئاً!

الديكتاتورية لا تسقط بالفضائح، لأنها وُلدت فاضحة!
ولا تسقط بالشتم، لأنها تتغذى عليه!
ولا تسقط بالحنين ولا بالبكاء على الأطلال!
هي تسقط فقط عندما تفقد شرط وجودها: الجهل والفقر!

الثقافة ليست ترفاً، بل سلاحاً قاتلاً!
والاكتفاء الاقتصادي ليس رفاهية، بل إعلان استقلال!
لا يوجد مثقف حقيقي يقف مع عصابة مجرمة، ومن يدّعي غير ذلك إما كاذب أو موظف أو مغفّل!
الثقافة لا تتعايش مع الخراب، ولا تصافح القمع، ولا تبرر الجريمة!

ولهذا ترتعد السلطات من أي عمل ثقافي حقيقي!
تخاف من كتاب أكثر مما تخاف من مظاهرة!
تخاف من مدرسة تفكر أكثر مما تخاف من ألف شعار!
تخاف من إنسان مكتفٍ لا يحتاج صدقتها ولا يخضع لابتزازها!

تخيل فقط مجتمعاً مثقفاً ومكتفياً اقتصادياً!
لن يحتاج لإسقاط السلطة، لأنها ستسقط من تلقاء نفسها!
لن تجد من يدافع عنها، لأن أتباعها هم الحمقى فقط!
وحين يفهم الأحمق، ينتهي النظام!

لهذا، الأولوية ليست للفضائح، بل للبناء!
ليست للشتائم، بل للتعليم!
ليست للخطابات، بل للمشاريع الثقافية والإنتاجية!
الأعمال الخيرية التي تخلق اعتمادًا ذاتياً أخطر على الديكتاتورية من أي معارضة صاخبة!

ومع ذلك، نادراً ما يعمل الناس بهذه القاعدة الواضحة!
ليس لأنهم لا يفهمونها، بل لأن الكسل الأخلاقي أعمق من الكسل الجسدي!
أسهل شيء أن تلعن، وأصعب شيء أن تبني!
أسهل شيء أن تفضح الماضي، وأصعب شيء أن تصنع مستقبلاً!

تحطيم القيود لا يبدأ بكسر السلاسل، بل بكسر العقول التي اعتادت السلسلة!
ومن لا يفهم هذا، سيبقى يصرخ خارج الزريبة، بينما يعيش بمنطقها، ويعيد إنتاجها، ويحرسها من حيث لا يدري!