
نهاية سنة أخرى، لا أكتبها كوداع مهذّب، بل كمحاكمة مفتوحة لهذا الخراب الذي يصرّ على تسويق نفسه كقدر!
سنة لم تكن عابرة، بل كاشفة، فاضحة، نزعت الأقنعة عن وجوهٍ ادّعت الأخلاق وهي تمارس القتل، وادّعت الثورة وهي تتغذّى على الجثث!
سنة أكدت لي، ولمن يفهم، أن المشكلة لم تكن يومًا في نقص الشعارات، بل في العطب العميق داخل العقل الجمعي!
نفسيًا، ما عشناه ليس صراع آراء، بل انفجار اضطراب جماعي!
جماعات تعاني من عقدة القطيع، تخاف الحرية كما يخاف المريض مرآته، فتلوذ بالمقدّس، بالزعيم، بالبندقية، بأي شيء يعفيها من مسؤولية التفكير!
الإرهاب ليس وحشًا نزل من السماء، بل ابنٌ شرعي لثقافة تكره السؤال، وتُصاب بالهستيريا أمام النقد، وتعتبر الطاعة فضيلة حتى لو انتهت بمقبرة!
فلسفيًا، هذه السنة عرّت السؤال الأخطر:
هل الإنسان في منطقتنا قيمة أم أداة؟!
هل الدم مأساة أم مادة تعبئة؟!
هل الضحية تُحترم لكونها إنسانًا أم تُستثمر حسب الطائفة والهوية والمصلحة؟!
هنا سقط كثيرون، لا أخلاقيًا فقط، بل وجوديًا!
أما سوريا، فدعونا نكون واضحين بلا تلطيف ولا نفاق!
سوريا ليست ساحة، ولا جائزة ترضية، ولا مشروع خلافة، ولا إقطاعية ميليشيا!
سوريا شعب مسحوق، وذاكرة جريحة، وحقّ لا يسقط بالتقادم مهما طال الليل!
والإرهاب، مهما تديّن، ومهما تأنسن إعلاميًا، ومهما لبس عباءة المظلومية، سيُهزم، لأنه فكر موت، وفكر الموت لا يصنع مستقبلًا!
قضايا الشعب السوري ستنتصر، لا لأن العالم سيستيقظ فجأة، بل لأن الحقيقة حين تُطمر طويلًا تتحول إلى لغم في وجه جلاديها!
سينتصر السوريون بالوعي، لا بالهتاف، وبالذاكرة، لا بالثأر، وبالثقافة، لا بالخراب المضاد!
وفي هذا الخراب، أقول شكرًا لا على سبيل المجاملة، بل الاعتراف!
شكرًا لكل من لم يبع عقله مقابل أمان زائف!
شكرًا لكل من وقف في وجه القطيع ودفع ثمن وعيه عزلة وتشويهًا وشتائم!
شكرًا لكل قارئ، لكل داعم، لكل من فهم أن الكلمة ليست منشورًا عابرًا، بل موقف حياة!
السنة الجديدة ليست بداية بريئة، بل اختبار جديد!
إما أن نواصل الانحدار ونسمّي الانحطاط “واقعية”، أو نرفع مستوى الثقافة ونكسر هذه الحلقة المريضة!
دعوتي القادمة ليست للسياسة وحدها، بل لمعركة الوعي!
اقرأوا أكثر، شكّكوا أكثر، لا تقدّسوا أحدًا، ولا تكرهوا باسم أحد، ولا تسلّموا عقولكم لأي راية!
أنا لا أعد بالسلام مع القبح!
ولا أعد بلغة مهادِنة ترضي الجميع!
أعد فقط بمواجهة مستمرة، وبكلام لا يبحث عن إعجاب، بل عن إيقاظ!
سنة جديدة تبدأ، لا كورقة بيضاء، بل كصفحة نار!
ومن لا يحتمل الحقيقة، فليبتعد، لأن القادم ليس للضعفاء فكريًا ولا للجبناء أخلاقيًا!
كل عام وأنتم أكثر وعيًا، لأن الوعي وحده… هو بداية الانتصار!