اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات الطائفية السنية؛ من النص إلى مشروع الهيمنة!

الطائفية السنية؛ من النص إلى مشروع الهيمنة!

0
الطائفية السنية؛ من النص إلى مشروع الهيمنة!

ما الذي يجعل فكرة “الله” تُستعمل كحدٍّ فاصل بين من يُسمح له بالحياة ومن يُستباح دمه؟!

كيف تحوّل الدين من عقيدة “لكم دينكم ولي دين” إلى مؤسسة سياسية تمارس القتل باسم “الفرقة الناجية”؟!

الطائفية ليست مجرد انحياز عقائدي، بل تقنية سلطة مغلّفة بقداسة النص! إنها ليست خللًا في الأخلاق، بل بنية فكرية منظَّمة للإلغاء، تُخفي تحت رداء الدين مشروعًا قديمًا للهيمنة!

في التاريخ الإسلامي، لم تُولد الطائفية كحادثٍ جانبي، بل كـ منظومة ضبط اجتماعي وسياسي، صاغها الفقهاء وكرّسها الخلفاء، ثم أعاد الإسلام السياسي الحديث تدويرها بلغة العصور الرقمية!

وهكذا، تحوّل “الإيمان” إلى بطاقة هوية طائفية، وتحول “الاختلاف” إلى جريمة كفر، وأصبح الطريق إلى الجنة مرسومًا بدماء المختلفين!

لنبدأ التشريح:

أولًا: الطائفية كإلغاء منظم للآخر!

الطائفية ليست رأيًا أو اجتهادًا، بل نظام مغلق للإقصاء، يعرّف الإنسان بما يكرهه لا بما يفكّر به!

في هذا النظام، يصبح الانتماء إلى الجماعة أقدس من الحقيقة، ويُستبدل البحث عن الله بعبادة الجماعة التي تزعم أنها “تمثله”!

هكذا وُلدت شعارات قاتلة:

نحن الفرقة الناجية، وغيرنا في النار!
نحن أهل الحق، وسوانا في الضلال!
نحن الطاهرون، وغيرنا نجس!

تلك الجمل ليست مجرّد تعابير، بل قوالب نفسية تصنع ذواتًا مشروطة بالكراهية!

إنها عملية إلغاء متقنة: تُحوّل الدين من فضاء للأسئلة إلى نظام تصنيف للبشر، ومن تجربة روحية إلى سلاح هوية جماعية يحكم ويُدين ويُعدم باسم “الحق”!

ثانيًا: بذور الطائفية في جميع الطوائف!

لا طائفة بريئة بالكامل من الغرور الديني!

كل دين ومذهب، من اليهودية للمسيحية إلى الإسلام، يحمل في داخله إمكانية التحوّل إلى طائفة مغلقة!

لكن الفارق بين الطائفية كـ رد فعل دفاعي والطائفية كـ مشروع هيمنة، هو ما يصنع المعنى السياسي والوجودي لها!

المسيحي قد يغلق كنيسته لحماية ذاته من الاضطهاد!
الدرزي قد يختبئ داخل تراثه الغامض خوفًا من الإبادة!
الشيعي قد يصوغ مظلوميته ردًّا على قرون من الدم!
العلوي قد يحوّل الجبل إلى حصن كي لا يُذبح!
الإسماعيلي قد يغرق في رموزه الباطنية كدرع فكري!
المرشدي قد يقدّس شيخه كرمز للبقاء في وجه التكفير!

هذه الطوائف مارست الانغلاق كآلية بقاء، لا كبرنامج إخضاع للآخر!

الاستثناء الوحيد الذي تجاوز الدفاع إلى التوسع كان الطائفية السنية، التي نجحت في تحويل النص إلى مشروع كوني يحتكر الحقيقة باسم “الجماعة”!

ثالثًا: ولادة “أهل السنة والجماعة”!

لم يكن مصطلح “أهل السنة والجماعة” توصيفًا بريئًا، بل كان بيانًا عقائديًا لإعلان الهيمنة!

ظهر المفهوم في زمن الصراع بين المدارس الكلامية والسياسية الأولى، ليقول ضمنًا: نحن الإسلام، والباقون انحراف!

منذ تلك اللحظة، بدأت عملية الفرز العقائدي:

كل مختلف هو مبتدع، وكل مبتدع هو كافر، وكل كافر دمه هدر!
الفقهاء صاغوا أحكامًا تُقصي غير المسلمين والمخالفين!
السياسيون استخدموا النص لتثبيت سلطانهم!
ورجال الدين تحوّلوا إلى حراس العقيدة، لا إلى مرشدي ضمائر!

تحوّلت الطائفية السنية تدريجيًا إلى دين بديل:

نصوص، وفقه، وسلطة، وسيف؛ وكلها تحمل ختم “الشرعية الإلهية”!

رابعًا: البنية المؤسسية للطائفية السنية!

الطائفية السنية ليست شعورًا جمعيًا فقط، بل منظومة كاملة لها جذور نصية وتاريخ سياسي وامتداد ثقافي!

  1. النصوص التأسيسية!

من حديث “الفرقة الناجية” الذي شرعن احتكار الحقيقة، إلى فتاوى ابن تيمية التي أباح فيها دماء الشيعة والدروز والعلويين، إلى دعوة محمد بن عبد الوهاب التي جعلت التكفير عقيدة دولة!

كل ذلك أنتج لاهوتًا عدوانيًا يرى في الاختلاف تهديدًا وجوديًا يجب محوه!

  1. التاريخ السياسي!

قبل العباسيين والعثمانيين، كان الأمويون النموذج الأكثر فجاجة في تسييس الدين، دولة قامت على السيف والوراثة، ثم بحثت عن فقه يبرّر الدم، وعن رواية دينية تلمّع القاتل وتخوّن الضحية!

الأمويون أسّسوا مبكرًا لفكرة أن “الطاعة” عقيدة، وأن معارضة الحاكم خروج على الدين، فاختلطت البيعة بالإكراه، والفقه بالخوف، والسلطة بالسماء!

العباسيون ورثوا هذا المنطق وطوّروه بذكاء أشد، فوظّفوا الفقهاء لإسكات الخصوم، لا لحماية المجتمع، بل لحماية العرش!

ثم جاء العثمانيون ليحوّلوا “السنية” إلى هوية رسمية للدولة، تُمنح وتُسحب بحسب الولاء، لا بحسب الإيمان!

ومنذ ذلك المسار الدموي المتواصل، أصبح الانتماء المذهبي معيارًا سياسيًا، وتحول الدين من تجربة روحية إلى أداة بيروقراطية للفرز والإقصاء والتمييز، تُدار بالختم لا بالضمير!

  1. الحركات الحديثة!

من الإخوان إلى داعش، الخط واحد وإن اختلفت اللغة!

حسن البنا قدّس “الإسلام هو الحل”، لكنه قصد الإسلام السني وحده!
سيد قطب شيطن المجتمعات المخالفة تحت شعار “الجاهلية”!
السلفية الجهادية طبّقت عمليًا فتاوى ابن تيمية: دم، تهجير، وعبودية باسم الله!

  1. الثقافة اليومية!

منابر الجمعة تُكرّس الكراهية كل أسبوع!
المناهج المدرسية تزرع في الطفل أن مذهبه “هو الإسلام” وما عداه كفر!
والإعلام الديني يعيد تدوير السمّ ذاته بلبوس الحداثة!

خامسًا: المقارنة مع الطوائف الأخرى!

كل الطوائف مارست شكلًا من أشكال الانغلاق، لكنها لم ترفعه إلى مستوى مشروع كوني للهيمنة!

الشيعة مارسوا طائفيتهم كدفاع، والمسيحيون كحماية، والدروز كعزلة، لكن السنة وحدهم أسسوا خطابًا يقدّم ذاته كمرجع أوحد للنجاة والخلاص!

إنها ليست طائفية فقط، بل رؤية كونية أحادية تصنع من نفسها معيار الإنسانية ذاته!

سادسًا: الطائفية كدين بديل!

تحوّل الخطاب السني إلى دين داخل الدين، له نصوصه، وفقهاؤه، وسلاطينه، وشهداؤه، وجنّته وناره الخاصة!

لم تعد الطائفية وسيلة للدفاع عن الإيمان، بل الطريقة الوحيدة لتعريفه!

ومنذ ابن تيمية حتى داعش، ظل الخطاب نفسه يتنقّل من منبر إلى آخر: نحن أهل الحق، والبقية ضلال يجب محوه!

هكذا وُلدت طائفية تملك بنية كاملة:
نصوص تؤسس للكراهية!
فقهاء يصدرون صكوك التكفير!
سلاطين يستثمرونها سياسيًا!
ميليشيات تنفذها بالدم!
ومجتمعات تعيد إنتاجها يوميًا في اللاوعي الجمعي!

خاتمة: حين تصبح الكراهية عقيدة!

الطائفية السنية ليست مجرد انحراف في التدين، بل بنية فكرية – سلطوية – نفسية متكاملة، صنعت من الكراهية دينًا، ومن القتل عبادة، ومن الإقصاء هوية!

لقد نجحت في أن تُخفي مشروع الهيمنة خلف قناع “الإيمان”، وأن تُعيد إنتاج خطاب التفوق باسم “الفرقة الناجية”!

إنها ليست أزمة فقهية، بل أزمة وجودية في علاقة الإنسان بالنص والسلطة والهوية!

طالما ظلّ الدين يُستخدم لتبرير الامتياز، سيبقى الدم هو الثمن، وستظل “الفرقة الناجية” تصنع جحيمها الخاص، ثم تسميه “جنّة”!