
فيصل القاسم يكتب عن “مجتمعات الـ99.99%”؟!
يا لها من نكتة تستحق أن تُعلّق على باب كل استبداد كي يضحك الناس قبل أن يبكوا!
الرجل الذي أمضى عمره يصفّق لـ”الأغلبية الطائفية الساحقة” ويحوّلها إلى سوط دموي لإسكات أي عقل مستقل، يظهر اليوم في دور الفيلسوف الذي اكتشف فجأة أنّ المجتمعات العربية لا تتحمّل الاختلاف، وأن الاستبداد متجذّر في العقول، وأن الشعوب تُحاكم المختلف كخائن وعميل… وكأن هذا الاكتشاف لم يكن الركن الأساسي في برنامجه منذ عشرين عامًا!
أي “عقلية استبدادية” يتحدث عنها رجل لم يعرف من الديمقراطية سوى اسمها؟!
برنامج كامل مبني على الشتيمة والشتيمة المضادّة، على الصراخ المدفوع الأجر، على تحويل كل خلاف سياسي إلى معركة قبائل، ثم يأتي اليوم ليقدّم نفسه كأستاذ في الحرية وكاهن في معبد الاختلاف!
يكتب عن مجتمعات لا تقبل 1% من رأي مخالف…
بينما هو نفسه لا يجرؤ على قول 0.0001% من الحقيقة عن قطر، الراعي الرسمي لكل صراخه، وملقّنة خطوطه، والمموّل الأول لكل حروبه الكلامية!
يطلق النار على كل الأنظمة، إلا النظام الذي يكتب له الراتب ويحدد له ساعة الصراخ!
يحاضر في الناس عن الطغاة، بينما هو أحد أصواتهم بلكنة إعلامية وبميكروفون أعلى قليلًا!
يتحدّث عن الاستبداد الذي “تسلّل إلى العقول” وتوارثته الأجيال…
وهو نفسه أحد أبرز من غذّوا هذا الاستبداد عبر خلق قطيع طائفي، يمشي خلف نبرة صوته ويردد شعاراته، ويُصفّق لشتائمه كما لو كانت وحيًا نازلًا!
هو من رسّخ عقلية “الأغلبية الساحقة” التي بها تُبرّر المذابح، وتُخنق حرية المختلف، ويُقتل العقل قبل أن يخرج من فم صاحبه!
ثم يختم عظته بنصيحة: اتركوا هذه المجتمعات! فهي لا تستحق أن تمضوا عمركم فيها!
وكأن الرجل لم يبنِ شهرته وثروته وسلطته الإعلامية على جثث هذه المجتمعات، وعلى دمائها، وعلى تمزيقها، وعلى تحويلها إلى وقود لبرنامجه الذي يقتات من الفتنة أكثر مما يقتات الذباب من الجروح المفتوحة!
الطغيان ليس فقط في القصور، بل في الشاشات أيضًا!
والخوف ليس فقط في السجون، بل في حنجرة إعلاميٍّ لا يجرؤ على نطق اسم المموّل!
والديمقراطية لا تُقاس بالصوت العالي، بل بقدرة الصوت العالي على قول الحقيقة نفسها!
الحقيقة التي يخشاها فيصل: إنه لم يكن يومًا صوت الحرية!
بل كان دائمًا صوتًا مأجورًا للصراخ، وصدى للاستبداد حين يلبس قناعًا مختلفًا، ومُسعّرًا للطائفية حين يريد راعيه مزيدًا من الوقود!
لم يعرف الشجاعة يومًا… لأنه لم يتجرأ يومًا على نقد اليد التي تطعمه!
ولم يعرف معنى الاختلاف… لأنه لم يختبر في حياته رأيًا لا يصبّ في جيب من يموله!
فليصرخ كما يشاء!
فمن اعتاد العواء كي يُسمِع سيده، لن يعرف يومًا صوت الحقيقة!
ومهما كتب عن الـ99.99%، سيبقى هو نفسه المثال الحيّ لـ”الموظف الإعلامي” الذي يجلس فوق أنقاض مجتمع، ويمنح نفسه لقب الفيلسوف بينما هو في الحقيقة مجرد بوق قليل الأدب!
ويبقى السؤال:
كيف يجرؤ من يعيش على خراب الأمة أن يعطي الناس دروسًا في كيفية النجاة منها؟!
وهل يملك من خاف من فضح مموله الديكتاتوري شجاعة فضح استبداد الشعوب؟!
المضحك أنّه يطلب منا أن نترك هذه المجتمعات… بينما هو نفسه لم يترك يومًا تجارة دمها، ولا لحظة واحدة من استثمار انقسامها!
وفي النهاية… يبقى فيصل القاسم مثالًا صارخًا على تلك الوجوه التي تصرخ ضد الطغيان وهي تعيش على موائده، وتدّعي البطولة وهي ترتجف أمام ذكر اسم المموّل!
هو درس حيّ في أن الحرية ليست صوتًا عاليًا، بل ضميرًا أعلى… وأن الصراخ لا يصنع ثورة، بل يصنع قطيعًا جديدًا!
أما الحقيقة، فهي أن من باع نفسه لعواء الشاشة لا يملك حق تعليم الناس كيف ينجون من الذئاب!
