
في بلادٍ صار العواء نشيدًا رسميًا والخواء منهجَ حياة، يُطلب من الجائع أن يشكر، ومن المريض أن يصبر، ومن المشرد أن يسجد، وكأن الإنسان خُلق ليكون ملحقًا لدار عبادة لا كائنًا يستحق بيتًا ومدرسة وطبابة!
هناك، حيث صوت الأذان أعلى من صوت البطون الخاوية، تُرفع المآذن بينما يسقط البشر، وتُشيَّد القباب بدل الجامعات، ويُعبد الحجر بينما يُداس الإنسان بلا تردّد!
الطغاة يعرفون اللعبة جيدًا!
يبنون مسجدًا فوق قبر العدالة، ويضعون آية على باب السرقة، ويختمون توقيعهم بعبارة “ابتغاء وجه الله” ليصبح النهب طاعة، والظلم فضيلة، والفساد مشروعًا!
يكفي أن ترفع صوتك اعتراضًا حتى تتحوّل من مواطن موجوع إلى كافر يُباح دمه…
يكفي أن تسأل: لماذا لا نبني مستشفى؟! لماذا لا نبني جامعة؟! لماذا لا نبني مساكن للمشردين والنازحين؟!
حتى يُلقى عليك حجر التكفير فيخرس الجميع، وتعلو عمامة فوق جثّة الفكرة!
وأقذر ما في الأمر أن السرقة باسم السماء تُعدّ أكثر طرق السرقة أمانًا!
لا أحد يجرؤ على الشك، لا أحد يجرؤ على الاتهام، لأن اللص محصّن بقدسية مزيفة، ومشمول برعاية إلهية مُزوّرة!
بينما الناس لا يجدون ما يأكلونه أو مكانًا يحمون فيه أطفالهم، يبني هؤلاء اللصوص دورًا للسرقة يسمّونها “دور عبادة”!
جامع فوق ركام البيوت…
مئذنة بجوار خيمة لاجئ…
قبّة تتلألأ فوق مدينة بلا كهرباء…
هذه ليست إنجازات، هذه شتائم معمارية في وجه المأساة!
ثم تأتي المفارقة التي تكشف العار كاملًا:
الغرب (الكافر) يبني للاجئين المؤمنين بيوتًا جديدة، بينما دولهم تبني لهم دور عبادة فوق الخراب!
الغرب يرمّم حياتهم، يمنحهم سريرًا، طبابة، تعليمًا، فرصة…
ودولهم تمنحهم مكبّر صوت جديد، وسجادة صلاة فوق جرح لم يلتئم!
الغرب يسأل: كيف نعيد إليه إنسانيته؟!
وهناك يُسأل السؤال المخزي: كيف نعيده إلى القطيع؟!
من هرب من الموت يجد النجاة عند “الكفار”، ومن ولد في حضن “الإيمان” يجد نفسه على رصيف الجوع!
لا لأن الغرب قديس… بل لأن الإنسان هناك قيمة، وهنا مجرد ظلّ يزداد ضآلة كلما ارتفعت مئذنة جديدة!
يا لها من بلاد!
يبني فيها الآخرون مستقبل أولادهم…
ويبني فيها الطغاة سجونًا روحية لأبنائنا!
بلادٌ تُرفع فيها القباب كل أسبوع، بينما ينخفض سقف الحياة كل يوم!
وهكذا يصبح المشهد كاملًا:
سرقة مقدّسة، قطيع مصفّق، طغاة متوضئون بدموع الفقراء، وخراب يُغطّى بآية!
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يخافون من سماعه:
أي إله هذا الذي يحتاج إلى قصر من الرخام، بينما عباده ينامون في العراء؟!
