
ليس أخطر على أي مجتمع من لحظة تتحوّل فيها الشتيمة إلى لغة يومية، ويُمنح الجهل صفة الحكمة، ويُعامل الصمت عن الرداءة كأنه نضج أخلاقي أو اتزان عقلي!
عند هذه النقطة، لا يعود الانهيار حادثًا طارئًا، بل يصبح نمط حياة، ويتحوّل الخراب إلى سلوك يومي يُمارَس بلا خجل!
الشعب الذي يتناقل الإهانات كما لو كانت إرثًا ثقافيًا، ويطارد كل فكرة جادة بالسخرية، لا يمكن تسميته ضحية!
الضحية تبحث عن الخلاص، أما من يصفّق للتفاهة فهو شريك واعٍ في الجريمة، حتى لو ادّعى البراءة!
حين يُهاجَم المثقّف لأنه يربك السائد، ويُلعن المفكّر لأنه يفضح القبح، ويُحتفى بالمهرّج لأنه يضحك القطيع، فاعلم أن المشكلة لم تعد في السلطة وحدها، بل في الذهنية التي تحرسها!
فالطغيان لا يعيش بالقمع فقط، بل يتغذّى من التصفيق، ويكبر على أكتاف جمهور يعشق من يُخدّره!
نحن أمام شعوب لا تثور إلا في التعليقات، ولا تملك شجاعة الصمت إلا أمام القهر الحقيقي!
تصرخ في التفاهات، وتُطلق شجاعتها على منشور فارغ، ثم تخفض رأسها حين يُسحق الإنسان، وتُداس الكرامة!
هؤلاء لا يُنتظر منهم مشروع نهضة، لأن النهضة تحتاج إلى وعي مؤلم، وهم لا يحتملون الألم الفكري!
يُفضّلون الضحك على الحقيقة، والنكتة على المواجهة، والتكيّف على التغيير!
شعب يصفّق للمُذل، ويشتم المُثقّف، ثم يبكي على حاله، ليس مغلوبًا كما يزعم، بل مستسلم يعشق قيوده ويخاف الحرية!
هو لا يُقهَر فقط، بل يشارك في قهر نفسه حين يحارب كل من يحاول إيقاظه من سباته!
ومن يلعن المثقف ويُمجّد المُطبّل، لا يعيش في ظلم مفروض عليه، بل يعيش في مستنقعه بإرادته، ويُصرّ على تسميته وطنًا!
فالاعتياد على العفن لا يحوّله إلى عطر، والخراب لا يصبح قدرًا إلا حين يُدافَع عنه!
الهزائم الكبرى لا تبدأ بالدبابات، بل بالنكات، ولا تُحسم بالرصاص، بل بازدراء العقل!
وعندما يصبح الوعي تهمة، والتفكير خيانة، والجهل هوية جماعية، عندها لا تسأل لماذا سقطنا، بل لماذا دافعنا عن السقوط بكل هذا الإخلاص!