
من البغدادي إلى الجولاني يتبدّل القناع ويبقى الصوت واحدًا، صوت الطغيان حين يتوضّأ بالكذب ويعتلي منبر السماء ليحكم الأرض باسمها!
“أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم” ليست جملة عابرة، بل مفتاح الخديعة كله، فحين يضع المجرم نفسه شرطًا لطاعة الإله يكون قد اختصر الإله في جسده، وصادر السماء لصالح كرسيه، وحوّل العقيدة إلى جهاز أمني متنقّل!
هكذا تُصنع الديكتاتورية المقدّسة، خطوة بخطوة، بتكريس الطاغية وسيطًا وحيدًا بين الإنسان وربّه، وبتحويل شكّه الشخصي إلى كفر، ونقده إلى ردّة، ومعارضته إلى خروج عن الطاعة!
البغدادي فعلها سابقًا، والجولاني يعيدها لكن ببدلة عسكرية وخطاب مُنمّق، لكن الجوهر واحد: أنا الدولة، أنا الشرع، أنا الطريق، ومن يشكّ فيّ يشكّ في الله نفسه!
هذا هو الاحتيال الأعظم في تاريخ القمع، حين يُسرق الوعي لا بالقوة فقط، بل بالخشوع، ويُكمَّم الفم لا بالسلاح فقط، بل بالآية والخطبة والوعيد الأخروي!
القطيع لا يُساق بالعنف وحده، بل بالطمأنينة المزيّفة، وبالإحساس بأن الذي يسرقك ويذبحك ويرهقك يفعل ذلك من أجل خلاصك الأبدي!
هنا تكتمل الجريمة، جريمة قتل العقل باسم الطاعة، وقتل الإنسان باسم الفضيلة، وقتل الوطن باسم السماء!
كل طاغية ديني لا يحتاج جيشًا بقدر ما يحتاج جمهورًا مُدرَّبًا على السجود له دون أن ينتبه أنه لا يسجد لله!
وحين يقول لك: أطيعني ما أطعت الله، فهو في الحقيقة يقول لك: ألغِ عقلك ما دمتُ أنا أفكّر بدلًا عنك، واخلع ضميرك ما دمتُ أنا أقرّر عنك، وتنازل عن إنسانيتك ما دمتُ أنا أتكرّم عليك بدور العبد الصالح!
الضحك على القطيع لا يتم بالسخرية المباشرة، بل بتغليف الجريمة بورقٍ ديني، وبجعل الطاعة فضيلة، والخنوع عبادة، والخوف إيمانًا!
هكذا يُحوَّل الإله إلى شركة أمنية، والمقدّس إلى درع واقٍ للقتلة، والآخرة إلى بطاقة ابتزاز لكل من يتجرأ على السؤال!
من البغدادي إلى الجولاني، القصة ليست قصة أشخاص، بل قصة منظومة خديعة واحدة، تتبدّل فيها الرايات، لكن تبقى وظيفة الإله واحدة: تبرير السلطة لا محاسبتها!
وأخطر ما في هذا المسرح الدموي أن القطيع لا يُخدع لأنه غبي فحسب، بل لأنه مُدرَّب على الخوف، مُلقَّن منذ الطفولة أن الشك خطيئة، وأن السؤال وقاحة، وأن الطاعة طريق النجاة!
لهذا يستمر الطغاة، ولهذا تتكاثر النسخ، ولهذا يموت الضحايا وهم يهلّلون لجلّاديهم أحيانًا!
فضيحة هؤلاء ليست في عدد الجرائم فقط، بل في قدرتهم الشيطانية على تحويل الجريمة إلى عبادة، والسفاح إلى شيخ، والقتيل إلى متّهم!
وحين نفضحهم، لا نفضح أشخاصًا فقط، بل نفضح آلية تاريخية كاملة لتدجين الإنسان باسم الله!
الطغاة لا يخافون السلاح بقدر ما يخافون العقل الحر، لأن الرصاصة تقتل جسدًا، لكن الفكرة المتمرّدة تُسقِط عرشًا كاملًا!
لهذا كان ولا يزال أخطر عدو للطغيان المقدّس هو الإنسان الذي يجرؤ أن يقول: لا أحد بيني وبين الله، ولا أحد وصيًا على عقلي، ولا قداسة لقاتل مهما تلا من آيات!
وفي النهاية، كل طاغية يختبئ خلف اسم الله هو مجرد قاتل خائف يرتجف دون عباءة السماء!
وكل قطيع يصفّق له إنما يصفّق لجنازته هو!
الطغيان المقدّس لا يسقط بالسلاح، بل بلحظة وعي واحدة تقطع الحبل بين الله وجلّاديه!
وحين يستعيد الإنسان عقله، ينهار المعبد فوق رأس رجال الدين قبل أن ينهار القصر فوق رأس الطغاة!