
غدًا تمرّ ذكرى سقوط كلب البعث الأول، لكن الفرحة – كالعادة – ناقصة، مبتورة، كضحكة خرجت من فم مقطوع الروح، لأن الرأس سقط، لكن الكوابيس التي أنجبها ما زالت تمشي على قدمين، تقتل، تسرق، وتلبس أقنعة العقيدة تارة، والوطن تارة، والحرية حينًا آخر!
غدًا ذكرى سقوط الأب الروحي لكل قطعان الإجرام التي تعيث في سوريا اليوم خرابًا وإجرامًا، ذاك الذي ربّى التطرف في سجونه كما تُربّى الوحوش في الأقفاص، ثم أطلق بعضها إلى العراق ليتسلّى بصناعة ميليشيات على مقاس جنونه، يحلم أن يحكم بها العالم كما تفعل الدول التي يتقن تقليدها لكنه يعجز عن فهمها (إيران وتركيا)، وعندما جاءه الإنذار الأمريكي أعاد نصفهم إلى الزنازين وترك النصف الآخر يتخمّر في العتمة على الفكرة والساطور والدم!
سجونه لم تكن سجونًا (دعك من أكاذيب المكابس البشرية التي نفاها الغزاة الجدد بأنفسهم لاحقًا)، كانت مختبرات لتفريخ القتلة، ومدارس لتقديس الذبح، ومنصّات “نقاش حر” عن الجهاد والإرهاب، ليخرجوا وحوشًا صالحة لكل المجازر، كما خرج زهران علوش وأمثاله، ممن أطلقهم النظام من سجونه، بعدها أحرقوا الشام وشكّلوا مع الجولاني وشركائه اقتصادًا كاملًا للدم والذبح والكيماوي (الذي ظهرت الأدلة على أن الجولاني هو صاحب المجزرة بدعم تركي لجعل الأمريكان يسقطون النظام الأسدي، بعد أن كان الكيماوي هو الخط الأحمر الذي وضعه أوباما السفاح للنظام الطاغي، لكنه بعد إكتشاف الحقيقة خلف تلك المجزرة، تراجع عن إسقاط النظام)!
(ملاحظة: شاهد فيدوهات الإرهابي المقتول زهران علوش لتعرف ماذا كان يحدث في السجون وكيف كان لهم حرية نشر الإرهاب بين المساجين والتخطيط له، بينما كانت السجون الإنفرادية حكرًا على المثقفين)!
غدًا ذكرى هروب الكلب الذي رعى الإرهاب بعمامة البوطي، ذاك الذي بشّر الغرب بإرهاب مقدّس، وبرعاية قبيسياتٍ صفّقن للجلاد كأنهن في حفله العائلي، ثم بدّلن لاحقًا الأقنعة دون أن يبدّلن الضمير، فبتن الأمويات اللواتي يقلن لكم ليل نهار: أين كنتم طيلة أربعة عشر عامًا؟!
غدًا ذكرى سقوط طاغية جوّع الناس لحساب عصابته البعثية، عصابة “الصدفة الطائفية السنيّة”!
حتى طائفته لم تنجُ من سرقته وتجويعه وإذلاله، فحين اقتُحم الساحل رأى الغزاة الفقر بأعينهم وسخروا، وقالوا للعالم انظروا الطاغية جوّع حتى طائفته، ثم أعادوا تسميتهم “فلولًا” فقط ليصنعوا ذريعة جديدة للقتل!
في مثل يوم غد، هرعت ذئاب العصر لاستباحة سوريا بكل ما تبقّى فيها من حياة، وبدأت الحكاية الميتة، وفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها، وتحول الوطن إلى مائدة مفتوحة لكل لصّ مقدّس، وقاتل ثوري، وسفّاح متديّن!
فما هو السقوط الحقيقي؟!
عامٌ مرّ على سقوط سوريا بيد غزاة جدد، لم يسقط فيه نظام فقط، بل سقط المعنى، وسقط الإنسان، وسقط الخجل من الدم، وسقط آخر وهمٍ للأخلاق في هذا الشرق المنكوب!
لم تدخل سوريا في قبضة مشروع سياسي، بل زُجّت في فم كابوس أسود خرج من كهوف التكفير، مدعومًا بمصالح الدول، ومُغذّى بنفط الطوائف، ومُحمّلًا بأحقاد القرون، فصار القتل عبادة، والمجزرة شريعة، والخراب نصرًا!
عامٌ كامل والدم السوري يُدار كاستثمار، تُقسّم الجثث على الهويات، وتُقايَض القرى بالولاءات، وتُباع الأرواح في أسواق السياسة الإقليمية والدولية، تحت رايات كاذبة عن الدين والحرية والثورة، وكلها تابعة لهذا العار!
لم تعد المجازر استثناء، بل صارت لغة يومية، ولم تعد الطائفية انحرافًا، بل نظام حكم، ولم يعد القاتل مجرمًا، بل شيخًا أو قائدًا أو “رمزًا ثوريًا”، بينما يُدفن الضحايا بلا أسماء، وبلا عدالة، وبلا ذاكرة!
المأساة ليست في وحشية العولانيين وحدهم، بل في صمت العالم، وتواطؤ الإعلام، وعهر السياسة، وشعوب تصفّق للجلاد لأنه “يشبهها”، فتبرّر الذبح باسم الهوية، وتُجمّل الجريمة بطلاء المقدّس!
سقطت سوريا يوم سقطت الأخلاق قبل الحدود، وسقط الإنسان قبل الدولة، وسقط العقل قبل السلاح، وما نعيشه اليوم ليس صراعًا على السلطة، بل انهيارًا كاملًا لفكرة الإنسان في هذه الجغرافيا الملعونة!
غدًا ليس ذكرى سقوط طاغية فحسب، بل ذكرى انكشاف الجذور القذرة التي ما زالت تمدّ الحكم بالسمّ والدم والخراب، وغدًا ليس عيدًا، بل جرح يتذكّر كيف وُلد، ومن الذي ربّاه، ومن الذي أطلقه علينا وحشًا بلا قيود!
وسيأتي يوم يُحاكم فيه هذا العصر لا على عدد ضحاياه فقط، بل على مستوى الانحدار الذي وصل إليه الوعي، حين صار القاتل بطلًا، والضحية هامشًا، والخراب نشيدًا، والسكوت فضيلة!
هذا ليس عامًا على سقوط سوريا فقط، بل عام على افتضاح العالم، على تعرّي الأقنعة، على انهيار آخر ادعاءات الحضارة أمام مشهد إنسان يُذبح على الهواء مباشرة والجميع يتفرّج ويبرّر ويصمت!
سوريا لم تسقط عسكريًا وسياسيًا فحسب، بل سُحقت أخلاقيًا، واغتُصبت إنسانيًا، واستُبيحت روحيًا، وما لم تُستعاد كقضية إنسان أولًا، فلن تُستعاد كدولة أبدًا!
هذا نصّ اتهام لا مقال، وهذا صراخ لا تحليل، وهذا جرح مفتوح لن يلتئم ما دام القتلة أبطالًا، وما دام الصمت سياسة، وما دام الدم السوري بلا قيمة في ميزان هذا العالم الكاذب!