اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات جمهورية القطيع؛ حين ينتصر العفن على الوعي!

جمهورية القطيع؛ حين ينتصر العفن على الوعي!

0
جمهورية القطيع؛ حين ينتصر العفن على الوعي!

للأسف، جرّني منشورٌ سياسيّ كمن يجرّ جثةً عبر وحلٍ كثيف إلى حفلةٍ كاملة من الهذيان الجماعي، وأنا أصلًا أحاول الهرب من هذا القطيع اليومي حفاظًا على ما تبقّى من تلافيف دماغي المرهقة من العبث!

رأيتُ عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف، منشغلين من جديد بتكويع هذا الممثل أو ذاك المطرب، وكأننا أمام فتحٍ مبين أو نصرٍ تاريخيّ، ولا جديد في الموضوع سوى إعادة تدوير التفاهة على مدار الساعة!

والأعجب أنّ “الثمانين بالمئة” التي لم تشارك يومًا في “الثورة” – مع التحفظ على المسمى (بحسب كلام الطبل موسى أبو غرّة) باتوا فجأة أبطال الميدان، ومهندسي السرديات، وواضعي خرائط التحالفات، وملح الأرض الذي لا يستقيم التاريخ بدونه!
انظر إلى حماة مثلًا، مدينةٌ نسبة التشبيح فيها أعلى من نسبة المياه، ومع ذلك صارت فجأة خزان البطولة الثورية والروايات النقية بعد أن كانت من أكثر حواضن التطبيل للنظام السابق!

ولا عتب على هذه “التكويعة” الكبرى، فمعلّموهم في هذا الفنّ هم سادتهم، ومن يطبّلون له اليوم ليل نهار هو أكبر مكوّع في التاريخ بعد الأمويين الذين حاربوا نبيّ الإسلام بكل ما أوتوا من بطش، ثم صاروا من كبار شبيحته، وذلك بعد “المؤلّفة قلوبهم” (الرشوة المقدسة) فتصدّروا مشهد الورع والتقوى!
هكذا تُصنع الأسطورات عندنا، من أعداءٍ إلى أولياء، ومن جلادين إلى قدّيسين، ومن قتلةٍ إلى حماةِ القيم في غمضةِ نفاق!

أقسم بكل حمارٍ في سوريا – وما أكثرهم – أنّ الوحيد الذي تحرّر فعليًا فيما سُمّي “معركة التحرير” هو بشار الأسد ذاته!
ها هو يعيش حياته في موسكو، دافئًا، بعيدًا عن هبل السوريين الدموي، يراقب من خلف الشاشات كيف ينهشون بعضهم بعضًا باسمه وباسم أعدائه وباسم التاريخ وباسم السماء!
وعلى ذكر سيرة الحمير، لعنة أمّون عليه وعلى خلَفِه وورثته الذين تركهم للشعب السوري كي ينتقموا من سوريا كلها بعد هروبه، فهذا الجروُّ من ذاك الكلب، وهذه السلالة لا تنتج إلا الخراب!

اقرأوا كتابًا، ازرعوا فجلًا، اركضوا قليلًا، تنفّسوا هواءً بلا شعارات، افعلوا أيّ شيءٍ مفيد بدل هذا الهبل الذي يلتهم أعماركم ليل نهار!
عدوكم الحقيقي ليس في القصر وحده، بل في عقول العموم السوري جميعًا، في هذا القاع الذي يُصفّق لكل عابر، ويكفّر كلّ ناقد، ويقدّس كلّ جلاد متى لبس عباءةً جديدة!
هذا العفن لا يجلب سوى المزيد من العفن، ولا ينتج سوى خرائط جديدة للدم، ولا يورّث سوى أجيالٍ تتغذّى على نفس الوحل وتصرخ: هذا قدري!

مشكلتنا ليست في الطغاة وحدهم، بل في القطيع الذي لا يعيش إلا بهم، ولا يعرف ذاته إلا عبرهم، ولا يجوع إلا ليصفّق عندما يُرمى له عظم الكرامة اليابس!

نحن لا نُهزم لأنّ أعداءنا أقوياء فقط، بل لأنّ التفاهة فينا صارت أقوى من الوعي، والصراخ أعلى من التفكير، والشتيمة أعلى من الحجة!
وفي كل مرة نصرخ “تغيّر الزمن”، يعود الزمن ليضحك علينا من جديد، لأنه يعرف أننا لم نتغير أصلًا!