
ملايين الفيديوهات تصرخ في وجهك كل يوم: لا تفعل هذا، ولا تأكل تلك، وخذ هذا الفيتامين، وتجنّب ذاك المعدن، ونَم على ظهرك، لا على جنبك، ولا تمشِ بسرعة، ولا ببطء، ولا تفكّر كثيرًا، ولا ترتاح كثيرًا، وكأن الحياة صارت دفتر تعليمات لغسّالة معطوبة لا لإنسان حيّ!
تراكمٌ هستيريّ من “المعلومات”، أغلبه مهزلة مقنّعة بثوب العلم، وسوقٌ سوداء للوهم، والزبون دائمًا هو الإنسان الخائف على صحّته، القلق على رزقه، المرتعب من الغد!
العربان، كعادتهم في كل ما هو سريع وسهل، وجدوا في هذا الهلع منجم ذهب، فاندفعوا إليه كما يندفع الذباب إلى العفن، وكل من يمتلك لسانًا وموبايلًا صار “مدرّب حياة” و”خبير تغذية” و”صانع وعي” خلال أسبوعين على إنستغرام وتيكتوك وفيسبوك!
والأدهى أن بعض “المتخصّصين” الحقيقيين، بدل أن يقاتلوا هذه الموجة، انخرطوا فيها، وبدؤوا يبيعون الهبل نفسه بلغة أنيقة ومصطلحات أجنبية لإقناع الضحية بأن السمّ دواء حديث!
عزيزي الضائع في هذا العالم، بسبب اللعنة التي حلّت عليك لأنك وُلدت في هذه البقعة الجغرافية المقيتة الناطقة بالعربية، دعني أقول لك الخلاصة التي يحاولون إخفاءها عنك تحت أكوام النصائح الفارغة!
سبب كل الأمراض على وجه الأرض، بلا استثناء حقيقي، وبأدلة علمية أكثر مما تحتمل رئاتهم من أوكسجين، هو “التوتر” المزمن!
ليس السكر وحده، ولا الملح وحده، ولا الزيت وحده، ولا الجلوتين، ولا اللاكتوز، ولا الشاي بعد الطعام، ولا القهوة على الريق، بل هو التوتر الذي يحوّل الجسد إلى ساحة حرب دائمة!
عدوك الحقيقي ليس الطعام، بل هرمون الكورتيزول حين يبقى مرتفعًا كإنذار لا ينطفئ ليلًا ولا نهارًا!
توترك هو الذي يخرّب المناعة، ويشعل الالتهاب، ويكسر الأعصاب، ويفتح أبواب القلب، ويضعف المعدة، ويُنهك الدماغ، ثم يأتي لك “اللايف كوتش” ليقول لك: المشكلة في البطاطا!
كُل ما تشاء، وافعل ما تشاء، وجرّب ما تشاء، لكن أبعد عن التوتر، لأنه إذا سكن فيك طويلًا لن يخرج إلا ومعه ثمن باهظ!
افهم هذه الفكرة جيّدًا، وستسقط من يدك تلقائيًا آلاف المقاطع السخيفة التي تعاملك كأنك تجربة مخبرية لا كإنسان!
ولا تحتاج بعدها لكل هذا الهوس بالنصائح الغذائية الهبليّة التي تتبدّل كل ستة أشهر كما تتبدّل الموضة!
أجدادك كانوا يأكلون الخبز اليابس، ويشربون المياه العكرة، ويعملون من الفجر حتى المغيب، ولا يعرفون شيئًا اسمه “دايت”، ولا “ديتوكس”، ولا “سوبر فود”، ومع ذلك لم تكن المستشفيات تعجّ بهم كما هي اليوم!
لم يكونوا عباقرة في الغذاء، لكنهم لم يكونوا عبيد قلق كما نحن!
أما بخصوص الأعمال والرزق والنجاح، فدعني أختصر لك الطريق من دون محاضرات تنمية بشرية ولا عبارات محفّزة من نوع “انهض أيها البطل”!
لا يوجد نجاح حقيقي بدون مخاطرة!
كل من يخبرك بعكس ذلك إمّا كاذب، أو بائع أوهام، أو وارث ثروة لم يبنِها، أو شخص يربح من خوفك من الفشل!
الراحة الدائمة هي المقبرة الأنيقة للأحلام!
والأمان المطلق هو الفخّ المبطّن بالوسائد!
والخوف من الخسارة هو أكبر خسارة!
بهاتين الجملتين فقط، تكون قد اختصرت على نفسك عشرات السنين من التيه بين فيديو وآخر، ونصيحة وأختها، وخبير وآخر، وكلهم يتغذّون على قلقك أكثر مما يتغذّون على علمهم!
وهكذا… تكون قد أمسكت بخيطين من خيوط الخلاص:
خيط الصحة: ابتعد عن التوتر!
وخيط النجاح: لا تخف من المخاطرة!
وما عدا ذلك، ضجيج سوق، وثرثرة مربحة، وتجارة باسم وعي لا علاقة لها بالوعي أصلًا!