
أنا الذي قُتلتُ في معارك ليست معاركي، ولا ذنب لي بها!
أنا الذي سُحبتُ إلى ساحات لا أعرف خرائطها ولا أعلامها ولا آلهتها ولا تجار دمها!
أنا الذي اخترقتني الرصاصات بالخطأ، لكنهم سمّوا الخطأ بطولة، وسمّوني رقمًا في نشيدهم الأجوف!
من أنا؟!
أنا السوري/ة!
أنا الذي وُلدتُ على وعد وطن، وكبرتُ على ركام وطن، ونضجتُ على خيانة وطن!
أنا الذي حمل جثته على ظهره ومشى بين الرايات كغنيمة لا اسم لها ولا قبر!
أنا الذي متُّ لأن الآخرين أرادوا أن يعيشوا أعلى، فوق جبل من الجماجم لا يعترفون أنه جبل!
أنا السوري/ة…
ابن/ة الخيمة حين ضاق البيت، وابن/ة البحر حين سُرقت الطرق، وابن/ة الحدود التي لا تفتح إلا للنعوش!
أحمل جواز سفر لا يعترف بي، وذاكرة لا تستطيع أن تنساني، وخوفًا يتقن أكثر من لغة!
أحمل مفاتيح بيوت لم تعد موجودة، وصور مدن لم تعد تشبه نفسها، وأسماء أحبّة صاروا ترابًا مبكرًا!
أنا الذي لم أكن بطلًا ولا خائنًا، كنت فقط إنسانًا في طريق الجحافل!
دهستني الأقدام المتحمسة، ونسيتني الخطب النارية، ومسحتني نشرات الأخبار بجملة عابرة!
قالوا سقط “أثناء الاشتباكات”، ولم يقولوا سقط لأنه كان فقيرًا، أعزل، واقفًا في المكان الخطأ من جنون العالم!
أنا السوري/ة!
اتهموني بكل شيء إلا بأنني إنسان!
قالوا عني إرهابيًا حين أردت الحياة، ولاجئًا حين نجوت، ومتسولًا حين جعت، ونكران جميل حين سألت: لماذا؟!
أنا الذي أُطلق عليّ رصاصة باسم الوطن، وأخرى باسم العقيدة، وثالثة باسم الشرف، ولم يسألني أحد أي اسم أريد!
أنا الذي مات اسمي أولًا، ثم مات وجهي، ثم ماتت قصتي، وبقيتُ عالقًا بين موتٍ لا يعترف بي وحياةٍ لا تريدني!
أنا السوري/ة…
تعلمتُ العدّ من عدد الشهداء، وتعلمتُ الجغرافيا من أسماء المنافي، وتعلمتُ السياسة من شكل القبور!
لي أمّ شيّبتها الخرائط، وأبٌ هرِم قبل وقته، وأخٌ غاب كي أتعلم مبكرًا معنى الغياب النهائي!
لي قلب تعلّم الصبر لا لأنه فضيلة، بل لأن البديل كان الجنون!
أنا الضحية التي لا تُعلّق صورتها على الجدران، ولا تُرفع لأجلها دقيقة صمت حقيقية!
أنا القتيل الذي لا تريد أي جهة أن تعترف به لأنه يفضح الجميع دفعة واحدة!
فموتي لا يخدم سردية، ولا يدخل في ميزان نصر، ولا يلمع في سوق الشعارات!
أنا السوري/ة!
حلمتُ ببيت صغير، فوجدتني تحت ركام وطن كبير!
حلمتُ بطفل يحمل اسمي، فحملتُ أنا رقمًا في سجلات القتلى!
حلمتُ أن أموت ميتة طبيعية، فمتُّ ميتة سياسية بلا معنى ولا عزاء!
أنا الذي قُتلتُ ألف مرة وما زلتُ أمشي!
أنا الذي خُذلتُ ألف مرة وما زلتُ أرفض أن أُختصر في صورة ضحية!
أنا الجريح الذي لم يجد طبيبًا، فصار يضمد نفسه بالكلمات والحلم والعناد!
من أنا؟!
أنا السوري/ة!
أنا الحكاية التي لم تنتهِ رغم أن الجميع كتبوا نهايتها مبكرًا!
أنا الكسر الذي لم ينكسر تمامًا، والرماد الذي ما زال يحتفظ بشرارة عنيدة تحت الخراب!
أنا السوري/ة الذي لم يعد يطلب خلاصًا من السماء ولا عدالة من الأرض!
سأمشي رغم الركام، لا كبطل ولا كضحية، بل ككائن عنيد يرفض أن يكون هامشًا في دفتر القتلة!
سأحمل وجعي كراية شخصية لا ترفرف لأحد، وسأصنع من كسري معنى، ومن نجاتي موقفًا، ومن صمتي صوتًا مدويًا!
هل علمتم من أنا؟!
أنا السوري/ة…
الذي لم ينتصر بعد، لكنه لم يُهزم تمامًا!
الذي خسر كل شيء تقريبًا، وما زال يحتفظ بالشيء الأخطر: وعيه!
والوعي، حين يولد من تحت الأنقاض، يصبح أخطر من كل الجيوش!