
سوريا تحت سلطة الصدمة؛ حين يتحوّل اضطراب ما بعد الصدمة إلى نظام حكم!
ما عاشه السوريون خلال عقدٍ ونصف ليس حربًا بالمعنى السياسي فقط، بل تجربة سحقٍ متواصلة للجهاز العصبي الجمعي، تجربة أعادت تشكيل النفس، والوعي، والأخلاق، ومعنى الحياة ذاته!
وحين تسلّم أتباع العصور الوسطى السلطة، لم يدخل الناس مرحلة ما بعد الحرب، بل دخلوا مرحلة ما بعد الأمل، حيث تُستأنف الصدمة بأدوات جديدة ورايات مختلفة!
في علم النفس، اضطراب ما بعد الصدمة حالة فردية ناتجة عن حدث مرعب مفاجئ، أما في سوريا فقد تحوّل الاضطراب إلى هوية جمعية، إلى جلدٍ نفسيٍّ جديد يلبسه الناس دون أن يختاروه!
السوري اليوم لا يتذكّر الصدمة، هو يعيش داخلها، ويتنفّسها، ويُعيد إنتاجها في علاقاته، في خوفه، في غضبه، وحتى في صمته!
لنُجري تشريحًا نفسيًا – سياسيًا للجسد السوري المنهك:
1- الذاكرة التي لا تُغلق أبوابها!
السوري لا يحتاج إلى منبّه ليستيقظ على الفاجعة، الذاكرة تستيقظ وحدها!
صوت باب، كلمة عابرة، صورة قديمة، خبر عادي… كل شيء قادر على أن يعيد تفجير الماضي دفعة واحدة!
الذاكرة هنا ليست أرشيفًا، بل حقل ألغام!
جرس إنذار: الذاكرة التي لا تُداوى، تتحوّل من شاهد على الجريمة إلى سجان للروح!
2- الخوف الذي لم يعد طارئًا بل مقيمًا!
الخوف لم يعد رد فعل، بل صار بنية داخلية ثابتة!
الناس تمشي وهي تراقب ظلها، تتكلّم وهي تحصي كلماتها، تضحك وهي تخاف من صوت ضحكتها!
وحين يصبح الخوف نمط حياة، لا تعود الحرية مطلبًا سياسيًا، بل حلمًا عصبيًا بسيطًا: أن تنام دون فزع!
حقيقة موجعة: أخطر أنواع العبودية هي تلك التي لا تحتاج سجّانًا خارجيًا!
3- التبلّد العاطفي: حين يتعب القلب من كثرة النزيف!
تتابع الموت يُطفئ الدهشة!
تكرار المذابح يُميت الدمع!
الإنسان حين يُستنزف إلى هذا الحد، لا يصبح قاسيًا، بل يصبح فارغًا!
والفراغ أخطر من القسوة، لأنه لا يحتج، لا يغضب، لا يثور، بل يكتفي بالبقاء!
تحذير: الموت الحقيقي ليس أن تموت، بل أن تعيش بلا إحساس بالموت!
4- الغضب المكبوت: بركان تحت جلد المجتمع!
عدوانية فجائية، شجارات على اللاشيء، شتائم بلا سبب، عنف داخل الأسرة، قسوة في الشارع، لأن الغضب لم يعد موجّهًا ضد الجلاد، بل انقلب على الضحية نفسها!
حين يُمنع الغضب من الوصول إلى مصدره الحقيقي، يبحث عن أي هدف بديل!
تنبيه: الغضب الذي لا يجد عدوه، يصنع أعداءه من أحبّ الناس إليه!
5- الذنب الوجودي: شعور النجاة كجريمة!
الناجي يشعر أنه سرق حياة غيره!
المغادر يشعر أنه خان من بقي!
الباقي يشعر أنه عجز عن الهرب!
وهكذا يتحوّل الوجود ذاته إلى تهمة نفسية لا فكاك منها!
قف عند هذا الحد: في المجازر الكبرى، يتحوّل البقاء حيًا إلى سؤال أخلاقي موجع!
6- تشظّي الهوية وانكسار المعنى!
لم يعد السوري يعرف إن كان مواطنًا، لاجئًا، ناجيًا، هامشًا، أو ظلًا لإنسان كانه يومًا!
الهوية التي لا تستند إلى أمان، تتحوّل إلى قشرة اجتماعية هشّة!
والإنسان بلا معنى مستقر، يصبح سهل التلاعب، سهل الاستتباع، سهل التحويل إلى أداة!
كلمة فاصلة: من يُسلب معناه، يُستعمل بكل الاتجاهات!
7- الجسد كأرشيف للصدمات!
قولون، خفقان، صداع مزمن، اختناق، آلام بلا تفسير عضوي واضح، لأن الجسد حين يُمنع من الكلام، يتعلّم أن يصرخ بالأعراض!
الجسد السوري اليوم يحمل في أعصابه ما لا تستطيع اللغة حمله!
مرتكز أساسي: ما لا تقوله الذاكرة، يكتبه الجسد بالألم!
8- استلام المتشددين للسلطة: إعادة تدوير الصدمة باسم المقدّس!
الصدمة لا تُشفى بالرايات ولا بالشعارات ولا بالخطب الدينية!
الصدمة تُشفى بالأمان، بالعدالة، بالاعتراف، وببناء إنسان لا يُهان!
لكن حين تأتي سلطة تُحكم باسم المطلق، فإنها لا تعالج الجرح، بل تمنحه نصوصًا مقدّسة ليبقى مفتوحًا إلى الأبد!
الخوف الذي كان سياسيًا صار دينيًا، والقمع الذي كان أمنيًا صار أخلاقيًا، والرعب الذي كان خارجيًا صار ضميرًا مراقبًا!
صفعة: أسوأ أشكال الاستبداد هو الذي يضع الله في موقع الجلاد!
الخلاصة النفسية – السياسية – الوجودية!
السوري اليوم لا يعيش فقط تحت سلطة قوة قمعية، بل تحت سلطتين متداخلتين:
سلطة الخارج التي تتحكم بالجسد، وسلطة الصدمة التي تتحكّم بالعقل!
وما لم يُعالَج الإنسان من الداخل، فإن أي تغيير في القصر الرئاسي لا معنى له!
تذكروا ذلك جيدًا: الشعب الذي لم يُعالج جراحه، سيعيد إنتاج جلاديه!
والمجتمع الذي لم يواجه ذاكرته، سيظل يبحث عن أصنامه بأسماء جديدة!
صرخة تحت المجهر:
الحرية لا تبدأ بإسقاط السلطة فقط، بل بإسقاط الخوف من داخل الأعصاب!
ومن لم يتحرر نفسيًا، سيظل يبدّل الأقفاص وهو يظن أنه غيّر السماء!
ملاحظة: هذه الكارثة تنطبق حرفيًا على أغلب الدول العربية، خاصة التي خاضت حروب مقدسة، العراق، ليبيا، اليمن، السودان… والقائمة للأسف تطول!