
اختك، أمك…
هكذا تُستقبل اليوم أي كلمة نقد لجماهير الزريبة، لا نقاش، لا حجج، لا عقول، فقط سيل من القذارة اللفظية المقصودة والممنهجة!
ترون بأمّ العين كيف يتم شتمنا على أي نوع من النقد، لا يُوفّرون كلمة وضيعة إلا ويقذفوننا بها، وكأن اللغة آخر خنادق الإفلاس عندهم!
وبالمقابل، كثيرون من “الطرف الآخر” يستخدمون الأسلوب نفسه، ولا عتب كبير على جمهور يقلد مشاهيره بلا وعي ولا غربلة!
فمن ينصّب نفسه قائدًا على قضاياكم، لا يقل سفالة في كلامه عن الدعاديش الذين يدّعي محاربتهم!
أستحي فعلاً من فتح فيديوهاتهم بصوت عالٍ، كلمات نابية جنسية، سوقية، لا تليق بشعب يدّعي أنه يطالب بحرية وعدالة وتعامل راقٍ تحت سقف القانون!
لكن للمفارقة العجيبة، كلما ازداد أحدهم قذارة في لغته، كلما تجمهر حوله القطيع أكثر!
كلما انحدر أكثر، صعد في “الشعبية”، وكأن القاع صار المنصة الرسمية للتصفيق!
وهنا لا تعود المشكلة مجرد شتائم عابرة في لحظة غضب، بل انحدار كامل في الوعي، وتعرية فاضحة لخطاب يدّعي النضال وهو يتغذّى على مستنقعات اللغة والسلوك!
نحن لا نعيش معركة أفكار، بل سباقًا في القذارة، حيث تُقاس “الزعامة” بعدد الألفاظ البذيئة، ويُمنح “النفوذ” لمن يستطيع أن يهبط أكثر في قاع الكلام!
كيف يمكن لإنسان يطالب بالحرية أن يتكلم بمنطق الزنقة؟!
وكيف لمن يرفع شعار العدالة أن يمارس أبشع أشكال الاغتيال اللفظي؟!
القضية التي تُدار بلغة الدعارة الأخلاقية، تموت أخلاقيًا قبل أن تُهزم سياسيًا!
ومن يستسهل السباب اليوم، سيستسهل الدم غدًا، لأن اللغة ليست تفصيلاً، بل هي البوابة الأولى للسلوك!
حين يتحول عديم الأخلاق الذي نصّب نفسه “القائد” على قضاياكم إلى بوق شتّام، فهو لا يقود شعبًا بل يقود غرائز، ولا يصنع وعيًا بل يكدّس عُصابًا!
المصيبة الأكبر ليست في الشتّامين أنفسهم، بل في الجمهور الذي يصفق، ويعيد النشر، ويتحوّل إلى صدى للقبح وهو يتوهم أنه جزء من المعركة!
هنا لا تعود الجماهير ضحية فقط، بل شريكة في صناعة الرداءة، ومموّلًا مجانيًا لسوق الانحطاط!
القطيع لا يبحث عن الحق، بل عن أكثر من يصرخ، عن أكثر من يشتم، عن أكثر من يثير غرائزه المكبوتة!
القضايا الكبيرة تحتاج عقولًا باردة وضمائر ساخنة، لا أفواهًا وسخة وأصابع تسبّ بلا حساب!
الحرية لا تُبنى بالسباب، والكرامة لا تُستعاد بالقذارة، والعدالة لا تمشي على جثث الأخلاق!
كل خطاب ينفصل عن الأخلاق يتحول تلقائيًا إلى نسخة أخرى من الذي يدّعي محاربته، مهما اختلف الشعار واللون والراية!
ما هكذا تُدار القضايا، ولا يمكن الدفاع عن الحق بالباطل!
ارتقوا… فالقاع مزدحم، والهبوط لم يعد شجاعة، بل صار علامة إفلاس فكري وأخلاقي كامل!