
في كل بقعة من هذا العالم تُبنى الأغلبية عبر التحالفات السياسية، وعلى أساس برامج ومصالح عامة واقتصادات ورؤى وتوازنات قوى وأصوات ناخبين يمكن عدّها ومحاسبتها ومراجعتها!
إلّا في جمهوريات الطزترللي، حيث لا تُبنى الأغلبية على أسس برلمانية، بل على جماجم الطوائف، ولا يُقاس الحجم بالصناديق، بل بعدّ الموالين لأصحاب الرايات السوداء!
هناك، لا معنى لـ”الأغلبية” بوصفها إرادة سياسية، بل بوصفها كتلة غرائزية مشحونة بالخوف، مهووسة بالهوية، تعيش على وهم التفوّق العددي، وتقتات على أسطورة “الفرقة الناجية”!
ومع أن هذه الأغلبية ـ في حقيقتها ـ ليست سوى فسيفساء مكسورة من سبعين شقًّا وتيارًا ومذهبًا وتأويلاً، إلا أن الفرقة الأكثر عنفًا، والأكثر ضجيجًا، والأكثر استعدادًا للذبح باسم الله، هي التي تنصّب نفسها الممثل الشرعي الوحيد للجميع!
هنا تبلغ المفارقة ذروتها المرضيّة!
فرقة واحدة، لا تعترف بغير منطقها، ولا ترى في غيرها إلا بدعة أو كفرًا أو انحرافًا، تتكلّم باسم ملايين لا يوافقونها في العقيدة، ولا في المنهج، ولا في السياسة، ولا حتى في صورة الله التي تسكن رؤوسهم!
وهنا يظهر السؤال: هل بني مسعورة يعترفون بالسنّة الأشعرية، وهم تاريخ الاعتدال العقلي وتديّن التوازن؟!
هل يعترفون بالسنّة العلمانيين الذين فصلوا بين الدين والدولة؟!
هل يعترفون بالصوفيين الذين بحثوا عن الله في الداخل لا على فوهات البنادق؟!
هل يعترفون بالبرجوازيين، بالمثقفين، باليساريين، بالليبراليين، بالناس الذين يريدون أن يعيشوا فقط بلا وصاية سماوية من السنّة؟!
طبعًا لا!
لكنهم، بكل وقاحة تاريخية، يخرجون على الشاشات ليتحدّثوا باسمهم جميعًا!
يتكلّم القاتل باسم الضحية، والمتطرّف باسم المعتدل، والجاهل باسم العارف، والجلّاد باسم المجتمع!
ثم يطالبوننا بالاعتراف بشرعيتهم، لأنهم “الأكثرية” عدديًا!
أي أكثرية هذه التي لا ترى نصفها الآخر أصلًا؟!
أي أكثرية تُبنى على الإلغاء لا على التمثيل؟!
وأي سياسة تُدار بعقليّة الفِرَق والنواجي لا بعقليّة الدول والمؤسسات؟!
نحن أمام مسرحية سوداء اسمها دولة، وباطنها مصحّة جماعيّة!
دساتير تُكتب بالحبر وتُلغى بالفتوى!
قوانين تُصاغ في البرلمان وتُنسف من على المنابر!
شعارات وطنيّة تُرفع نهارًا، وخرائط مذهبيّة تُرسم ليلًا!
وفي قلب هذه المهزلة، يتحوّل “التمثيل” إلى اغتصاب سياسي كامل!
لا أحد سأل الناس إن كانوا يريدون أن يتكلّم هؤلاء باسمهم!
ولا أحد سأل العقول كيف قبلت أن تُختزل بهويّة واحدة، وتأويل واحد، وصوت واحد، وسوط واحد!
لذلك، نحن ولسنا أمام أزمة أغلبية وأقلّية، بل أمام انحطاط في تعريف الإنسان نفسه!
إنه ليس صراع أحزاب، بل صراع عقول خرجت من التاريخ وما زالت تتكلم لغة القبور!
إنه ليس خلل نظام سياسي، بل تشوّه وعي جمعي، يحتاج إلى علاج طويل لا إلى انتخابات سريعة!
نحن أمام وطن لا يحتاج إلى دستور جديد، بل إلى إعادة تعريف معنى العقل!
لا يحتاج إلى تعديل القوانين، بل إلى إنقاذ الوعي من الغرق في مستنقع الطائفة!
لا يحتاج إلى حكومة جديدة، بل إلى مصحّة نفسية بحجم وطن كامل، يُفرز فيها المرض عن السياسة، والغرائز عن الدولة، والهذيان عن الواقع!
والخاتمة، لمن ما زال يظنّ أن هذا الخراب سوء إدارة لا جريمة وعي: ما نعيشه ليس عطب نظام بل عطب إنسان، وليس فشل دولة بل سقوط معنى الدولة من الجذور!
هنا لا تُهزم الأوطان على الجبهات، بل تُذبح في العقول أولًا، ثم يُصفّق القطيع للجنازة وهو يظنّها عرسًا وطنيًا!
هنا لا يصعد المتطرّف لأنه قوي، بل لأن المعتدل جبان، ولا يحكم القاتل لأنه أذكى، بل لأن الضحية تعوّدت على السكين!
نحن لا نعيش أزمة سياسة، بل نعيش إفلاس ضمير جماعيّ كامل، سقطت فيه المعايير، وانهارت فيه البوصلة، واختلط فيه الله بالجلّاد، والوطن بالمقبرة!
وأي حديث بعد هذا عن أغلبية وأقلّية ليس سوى مزحة سوداء فوق جثّة وطن يتآكل من الداخل!
إما أن نكسر هذه البنية الطائفية من جذورها، أو ستكسرنا واحدًا واحدًا، ولن يبقى من البلاد سوى رايات، ومن الناس سوى أرقام، ومن الله سوى ذريعة للقتل!
وللمذكورين في الأعلى: لم يعد الصمت موقفًا رماديًا، بل بصمة إصبع واضحة على سلاح الجريمة، توقيعًا لاأخلاقيًا كاملاً تحت بيان الخراب، ومشاركة صريحة في قتل ما تبقّى من إنسان!