
أبناء الزريبة الحالية، كعادتهم، لا يواجهون الوقائع إلا بالسخرية، كأن الاستهزاء يمكنه أن يمحو ما رأيناه بأعيننا ورآه العالم كله بلا استثناء!
يعلم القاصي والداني أن سقوط الأسد لم يكن بطولة، ولا معجزة ثورية، بل نتيجة اتفاق دولي مكشوف وبأوامر إسرائيلية مباشرة!
لكنهم يأتونك اليوم بنكات رخيصة عن “نظرية المؤامرة” وكأننا نحن من اخترعها ليلًا بين كأسين!
المفارقة المسمومة أن هؤلاء أنفسهم كانوا يصرخون ليل نهار بأن العالم كله تآمر عليهم، وبأن دول الأرض سمحت لبشار الأسد أن يدفنهم سنوات تحت البراميل!
اشتعلت “المؤامرة” عندهم أكثر حين كان أردوغان ذاته يترجّى الأسد للجلوس معه وفتح صفحة جديدة، كما فعل العرب حين أعادوا تدوير الطاغية في حضن الجامعة العربية واستقبلوه استقبال الفاتحين!
أما اليوم، بعد أن انتهى الدور وسُحبت الورقة، صار الحديث عن المؤامرة فجأة ضربًا من الجنون والدجل!
يا لهذا القدر من الوقاحة حين يُعاد تدوير الذاكرة كل مرة بحسب مصلحة السيد الجديد!
أيها الأغبياء، لا مؤامرة هنا بالمعنى الرومانسي الذي تسخرون منه، بل حسابات باردة تُدار بالأزرار لا بالشعارات!
إسرائيل لم تتخلص من الأسد لأنه بات خطرًا عليها، بل لأنها كانت تشق طريق حربها الكبرى مع إيران خطوة خطوة: من غزة، إلى الجنوب اللبناني، إلى سوريا، وصولًا للعراق!
ضربت غزة علنًا، وأسقطت حزب الله في لبنان، ونسفت بنية النظام السوري السابقة وميليشياته بلا رحمة!
ولكي تُبقي على الحاجز العازل بينها وبين إيران قبل لحظة الاصطدام مع طهران، كان لا بدّ من تغيير الواجهة في دمشق!
كان المطلوب شخصية سُنّية تُستخدم كحاجز سياسي وأمني، لا كدولة ولا كمشروع!
لكن أي “سُنّي معتدل” يستطيع حكم سوريا الفوضى بوجود مئات الفصائل التي تبيع ولاءها لمن يدفع أكثر؟!
لذلك جاء الاختيار على من استطاع إخضاع إدلب بالحديد والنار بعد سنوات من الاقتتال الدموي بينهم، واقتلاع خصومه بلا رحمة!
وما زالت فيديوهات مذابحهم وصراعاتهم ومظاهرات الناس ضدهم تملأ يوتيوب لمن أراد أن يرى ولا يتعامى!
ثم جاء الاعتراف الفاضح من زعيمهم نفسه، لا من خصومه، حين أقرّ علنًا بوجود اتفاق مع الروس على عدم ضربهم، وأمر الجيش بالانسحاب وفتح الطريق أمامهم بلا مقاومة!
والأكثر قذارة في المشهد أن موسى الحمر، الذي كان يصرخ على الشاشات ليل نهار أن من يتحالف مع الروس عميل وخائن، صار اليوم يبرّر هذا الاتفاق ويصمت صمت القبور!
هكذا تُغسل الخيانة بالمصلحة، ويُعاد تعريف العمالة كل صباح بحسب اتجاه البوصلة!
ثم رأينا المشهد الأخير: توحّدهم المفاجئ وهم يتجهون إلى دمشق لا لبناء دولة، بل لتقاسم الغنائم، لأن مفهوم الدولة والمؤسسات لا يسكن عقول الميليشيا، بل يسكن كتبًا لا يقرؤونها!
وعندما أدرك زعيمهم أن إسرائيل قادرة على قطف رأسه في خمس ثوانٍ بلا سابق إنذار، هرع إلى من كان يكفّرهم ليل نهار، وبالأخص حكّام الخليج، ويسميهم عملاء أمريكا، ليطلب منهم فتح الطريق إلى أمريكا وإسرائيل معًا!
وهكذا شهدنا أعظم “تكويعة” سياسية في التاريخ الحديث: من خطاب فتح القدس إلى فتح أبواب سوريا كاملة على مصاريعها للرضا الدولي!
ومن روسيا العدو، إلى روسيا الحليف!
ومن الشيطان الأكبر أمريكا، إلى البابا ترمب راعيهم وغاسلهم!
هذه ليست ثورة، ولا تحريرًا، ولا حتى انتصارًا بالمعنى الساذج للكلمة!
هذا مجرد تبديل واجهات في مسرح الدم نفسه، مع اختلاف الديكور وتغيّر الوجوه وبقاء المأساة على حالها!
من يظن أن الدم السوري سال ليصل هؤلاء إلى الحكم، إما أعمى أو شريك أو مرتزق في سوق الشعارات!
سوريا لم تُستعاد، بل أُعيد تدويرها في مزاد المصالح!
والشعب لم يتحرر، بل انتقل من قفص إلى قفص، مع اختلاف اسم السجّان فقط!
والتاريخ، كعادته، يسجّل كل شيء… لكن الأغبياء يصرّون على تمزيق الصفحات ثم البكاء لأن الحقيقة لا تعجبهم!
في النهاية، من يراهن على وعي القطيع كمن يصرخ في بئر عميق وينتظر صدى الحقيقة!
الوجوه تتبدّل، الأعلام تتغيّر، الشعارات تُعاد طباعتها، لكن السوط هو السوط، والظهر هو الظهر!
كل من صدّق أن ما جرى خلاص، سيكتشف متأخرًا أنه مجرد استبدال جلّاد بجلّاد، مع ابتسامة إعلامية أوسع قليلًا!
سوريا لم تدخل زمن الحرية، بل دخلت مرحلة إعادة توزيع العبيد!
والكارثة الكبرى… أن كثيرين ما زالوا يصفّقون وهم يُساقون إلى القفص نفسه، لكن باسم جديد!