
عارٌ أن تقف ضد طاغية، ثم تركع لطاغية آخر فقط لأنه من “فصيلتك”، فصيلة الصدفة الزمكانية التي لم تختر وطنًا ولا مبدأ، بل ورثت موقعًا على الخريطة واعتبرته هوية مقدّسة!
الطغيان لا يغيّر جلده، الذين يغيّرون جلودهم هم العبيد!
الشبيحة الجدد، في حقيقتهم، ليسوا ظاهرة طارئة، بل إعادة تدوير رديئة لنسخة قديمة فاسدة!
إمّا شبيحةٌ قدامى يغسلون أوساخهم بالتطبيل لسلطةٍ جديدة، وإمّا غافلون بلا ذاكرة ولا فهم، لم يمسّهم لهيب الحرب إلا على شاشات الهواتف، شاءت الأقدار – الإسرائيلية تحديدًا – أن يسقط معبودهم القديم ويصعد بدله صنمٌ من فصيلتهم كحاجزٍ سنّيّ مؤقّت بين إسرائيل وإيران، فلبسوا القميص الجديد بلا تردّد، وردّدوا النغمة ذاتها: “وين كنتو؟”!
وكأن الوطن حانة، والتاريخ دفتر حضور وانصراف!
العقلاء يعلمون، ويعلم العالم كله جيدًا، أن أغلب الشعب السوري كان ولا يزال “صامتًا” منذ قرون لا منذ سنوات فقط!
لم يكن شريكًا لا في الطغيان ولا في الثورة، بل شريكًا في الخوف، في النجاة الفردية، في الهروب من الموت بأي شكل!
حتى المغفّلين ولصوص المرحلة يعترفون بذلك حين يفلت منهم التصريح دون حساب، كما فعل موسى أبو غرّة حين قالها صراحة: أكثر من ثمانين بالمئة من الشعب لم يشارك لا بثورة ولا ضدها!
لكن أبناء الصدفة لا يحبّون الوقائع، يعشقون الأرقام المفبركة: تسعون بالمئة، ثمانون بالمئة، حسب الطلب والمزاج والخطبة!
وإذا أخذنا كذبتهم الأخيرة، الثمانين بالمئة (سُنّة)، وأسقطنا منها الأقليات التي يصنّفونها تلقائيًا “فلولًا”، وأسقطنا منها نسبة الصامتين المعترَف بها، يتبيّن ببساطة فاضحة أن أغلب من يشبّح اليوم لسلطة “قريش الحديث” لا علاقة له أصلًا لا بثورة ولا بكرامة ولا بحرية، بل بعادة قديمة اسمها: التعلّق بالحذاء الأقوى!
ومع ذلك، يخرجون إلى الشوارع ليصرخوا أن دمشق لهم إلى يوم القيامة، مقابل عشرة ملايين شهيد سنّي، وعشرين مليون لاجئ سنّي، وخمسين مليون مفقود سنّي!
متاجرة بالدم على قارعة الطريق، بلا خجل ولا حساب!
الأكثر إثارة للغثيان هم أبناء الصدفة في مدينة حماة!
مدينة لم تخرج منها إلا مظاهرة يتيمة في بداية الحكاية، ثم خضعت للنظام خضوعًا مطلقًا طوال سنوات الكارثة!
واليوم يخرج شبيحتها الجدد كل يوم يهددون الجميع “من أجل عيون السلطة”، كأنهم ورثوا الدم والخراب مع سندات الطابو! (شبيح الأمس يهدد علانية العلويين وعلى لسانه يقول: لولا العفو من أبو محمد الجولاني لكنتم رأيتم ماذا فعلنا! وهذا الكلام كفيل بجره للمحاكم لو كان في دولة محترمة!).
وإذا جمعنا هذا كله إلى مشهد العشائر التي تصدر يوميًا بيانات الولاء، والتحريض ضد الأقليات، تتضح الكوميديا السوداء كاملة!
هؤلاء أنفسهم الذين بايعوا بشار الأسد بالهتاف والتصفيق والسبابة المرفوعة حتى السماء،
وأحد زعمائهم قال له حرفيًا: الوطن العربي قليل عليك، يجب أن تحكم العالم!
والفيديوهات موجودة، والعار محفوظ على يوتيوب بدقة عالية!
مشكلتنا الحقيقية ليست في الطغاة وحدهم، بل في ذاكرة شعوب تمتلك ذاكرة سمكة!
القيء اليومي الذي نراه لا يُحتمل، حتى أن دول الجوار ملّت رائحته، فبدأت تبني الأسوار العالية، لتحاصر هذه المزرعة المسماة سوريا وتعزلها عن العالم!
هذا البلد، صدّق أو لا تصدّق، ميؤوس منه في شكله الراهن!
شعوب اعتادت الذل، وتربّت على القهر، وتعلّمت عشق الصرماية، سواء لبسها جنرال عسكري أو شيخ “لبّت لبّت” (لبّط لبّط)!
ومن يعتد الذل لا يمكن أن ينتج حرية، بل يصدّر عبودية بنكهة جديدة!
إذا كان العراق بعد أكثر من عقدين ما يزال يتخبّط في الجحيم، فسوريا تحتاج ربما إلى مئة عام كي تتعلّم فقط كيف تتنفّس دون وصاية!
وقد لا يحدث ذلك أصلًا إلا تحت أشكال جديدة من الانتداب، كما يحدث فعليًا الآن، ولكن بأسماء عصرية وشعارات بلاستيكية!
الطغيان لا يُهزم حين يسقط تمثال، بل حين يسقط من داخل النفوس!
وحتى ذلك الحين… سنبقى نغيّر الطاغية ونحتفظ بالعبد نفسه!