اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات عبقرية العبودية؛ حين يفخر الإنسان العربي بسجّانه أكثر مما يفخر بحريته!

عبقرية العبودية؛ حين يفخر الإنسان العربي بسجّانه أكثر مما يفخر بحريته!

0
عبقرية العبودية؛ حين يفخر الإنسان العربي بسجّانه أكثر مما يفخر بحريته!

يالهُ من مشهدٍ يفضح بؤس الإنسان العربي حين يُغلق دماغه على خوفه، ويحوّل سجنه إلى معبد، وسيده إلى نبي، وجلده إلى كرامة سماوية يتباهى بها أمام الآخرين!
إنه الانهيار النفسي ذاته الذي يجعل العبد يظن أن الخضوع بطولة، وأن الانبطاح حكمة، وأن الألم علامة اصطفاء!

فالعبد لا يطبل لأن سيده عبقري… بل لأن العبودية داخله أذكى من كل ذكاءٍ يملكه!
يُجَرَّد من كرامته، فيبحث عن تفسير يخفف عنه العار، فيحوِّل الإهانة إلى فضيلة، وصفعة سيده إلى “مكرمة”، والسوط إلى “شهادة حسن سلوك”!
ثم يقف أمام العبيد الآخرين يفتخر بأنه ضُرب أكثر منهم، وكأن الألم وسام شجاعة، وكأن الجلاد يرفع مقامه كلما زاد عليه السياط!

والأغرب من ذلك أنه حين يُعطى فرصةً ليستخدم عقله، لا يفكر كيف يحطم السلاسل، بل كيف يلمّع القيود كي تبدو جميلة!
يتفنّن في صناعة حجج تقنعه بأن عبوديته خيار أخلاقي، وأن طاعة سيده ضرورة وجودية، وأن الحرية مؤامرة!
تراه يصرخ:
سيدي لا يخطئ… نحن الذين لا نفهم حكمته!
ثم يصرخ بعدها بلحظة حين يجلده سيده:
انظروا! يربّيني لأنه يحبني!

إنها مهزلة الإنسان حين يخاف الحرية أكثر مما يخاف السجن!
حين يصبح القفص أكثر أمانًا من الهواء، والسوط أكثر صدقًا من العقل، والظالم أكثر قداسة من الحقيقة!
يا للمفارقة… العبد قادر على اختراع ألف طريقة للتطبيل، لكنه لا يستطيع اختراع طريقة واحدة ليصبح إنسانًا!

أيها السادة، العبودية ليست سلاسل حديد، بل سلاسل تُنسَج داخل الرأس، وحين يستوطن الخوف النفس يتحوّل إلى عبادة، ويصبح الجلاد رمزًا للأمان!
في علم النفس يسمّى ذلك الارتباط المؤذي، حين يفسّر الفرد إيذاء المسيطر على أنه رعاية!
فيبحث العبد عمّا يخفف عنه شعور الإهانة، فيحوّل الجلدة إلى “درس”، والإذلال إلى “مكرمة”، والقسوة إلى “محبة”!
هكذا يتصالح مع الألم كي لا ينهار، فيخترع خرافة تبرر القبح، ويخدّر ضميره بكذبة أنه محبوب لأنه مُهان!

المفارقة أن هذا العبد يبدو عبقريًا حين يتعلق الأمر بابتكار طرق التمجيد!
يبحث في كل حركة من سيده ليحوّلها إلى إعجاز، ويحوّل طريقة جلده إلى معجزة ربانية!
لكن هذا الذكاء كله يتبخر أمام سؤال واحد:
لماذا لا أتحرر؟!
هنا يصمت العقل… ويتكلم الخوف!

فلسفيًا، الحرية ليست هدية بل عبء!
فهي تعني أنك مسؤول عن نفسك، عن خياراتك، عن أخطائك.
أما العبودية فتوفر راحة نفسية:
لا قرار… لا مواجهة… لا صراع… فقط طاعة!
ولهذا يختار الكثيرون القيد لأنه أوضح وأسهل وأقل رعبًا من المجهول!
فالعبد لا يخشى سيده بقدر ما يخشى نفسه لو تحرر، لأن الحرية تنزع عنه الأعذار وتضعه عاريًا أمام جبنه وكسله وضعفه!

المشكلة أن العبد لا يراك حتى لو حاولت إنقاذه…
فالقفص بالنسبة له أمن، والهواء خارجه خطر!
والسيد يبدو ظلًا ربانيًا، حتى لو كان جلادًا بائسًا يخاف من عبيده أكثر مما يخافون منه!
يسمي علماء النفس ذلك الاعتماد القهري على السلطة، وحين يدخل العبد هذه المرحلة يصبح الدفاع عن سيده دفاعًا عن نفسه، وكأن الطعن بالجلاد طعن بقيمته هو!

لا يسعنا هنا إلا قول:
• ليس أصعب من إنسانٍ يحب سجّانه!
• ولا أتعس من عبدٍ يدافع عن قيوده كأنه يدافع عن حياته!
• ولا أعمق من حقيقة تقول:
الحرية لا تُعطى… الحرية تُنتزع، لكنها تحتاج إنسانًا يؤمن أنه يستحقها!

في النهاية يبقى السؤال الجوهري هائمًا في سماء الفكر: أليست مفارقة عجيبة؟!
عبدٌ يستطيع اختراع ألف طريقة لتمجيد سيده…
ولا يستطيع اختراع طريقة واحدة لكسر قيده!
بل يفاخر أمام بقية العبيد بجراحه، وكأنها وسامٌ من السماء، لا إهانة من الأرض!

الجواب بنظري: إنه الإنسان حين يخون نفسه…
حين يخاف حريته أكثر مما يخاف سجّانه…
وحين يخلط بين الطاعة والنجاة، وبين الخوف والفضيلة!

وهكذا تبقى العبودية أعجب اختراعات البشر…
عبقريةٌ مريرة، تصنعها النفوس العاجزة، وتقدسها الشعوب الخائفة!

الإسقاطات على مجتمعاتنا المليئة بالعبيد، آتية عبر فيديو سأنشره عندما تتاح لي الفرصة!