
الهستيريا الجماعية ليست مجرد اضطراب يمرُّ على الهامش، بل هي اللحظة التي يفقد فيها المجتمع وعيه كما يفقد الفرد توازنه في نوبة هلع حادة! إنها زلزالٌ نفسيّ يصيب الشعوب حين تختنق بالأسئلة التي تخاف الإجابة عنها، وحين يصبح الخوف لغة يومية تُقال بلا تفكير، ويتحول العقل إلى قطعة أثاث مهجورة في غرفة مظلمة!
كل هستيريا جماعية تبدأ من شرارة صغيرة، غالبًا تافهة، لكن التافه في مجتمعات هشّة يتحول إلى مقدّس! شائعة مجهولة المصدر، كلمة غاضبة، فيديو مُفبرك، أو إشاعة يطلقها صاحب سلطة يعرف جيدًا كيف تُقاد الجموع حين تُسلب منها قدرتها على الشك! ثم يبدأ الانفجار… لا لأن الحدث خطير، بل لأن النفوس ممتلئة بما يكفي لتشتعل!
في تلك اللحظة، لا يعود الإنسان فردًا؛ يصبح جزءًا من موجة، من قطيع، من صدى! يفقد صوته، رأيه، منطقه، وكأنه يتخلى عن وجوده مقابل شعور زائف بالأمان وسط الجماعة التي تصرخ معه! إنه يهرب من ذاته ليلتحق بجماهير تهرب بدورها من ذاتها! وهكذا يتحول المجتمع إلى حشدٍ تائه يحاول إقناع نفسه بأنه يعرف الطريق، بينما هو يغرق أكثر في العتمة!
والمفارقة المؤلمة أن الهستيريا الجماعية ليست علامة على القوة، بل على العجز!
شعبٌ يفكر لا يصرخ!
شعبٌ واعٍ لا ينجر!
شعبٌ يعرف الحقيقة لا يمنح الوهم سلطةً عليه!
لكن حين يتراكم القهر عبر السنين، ويُدفن الألم بدل أن يُفهم، ويُجمَّد العقل بدل أن يُستخدم، يصبح المجتمع مثل مرجل يغلي، يحتاج فقط لطرق خفيف كي ينفجر بأقصى ما فيه من جنون!
تخرج الجماهير إلى الشوارع ليس لرفض الظلم، بل لرفض النظر في الداخل! ليس للتحرير، بل للهروب! فالهستيريا تمنح شعورًا بطوليًا مزيفًا: صراخٌ يشبه الثورة، لكنه ليس ثورة! حركةٌ تشبه الوعي، لكنها هروب من الوعي!
وهنا يأتي دور من يتربص بالجماهير: السياسي، الداعية، التاجر، الإعلامي!
كلهم يعرفون أن المجتمع الهستيري أسهل المجتمعات قيادة! يكفي أن تُرفع راية، أو يُقال “احذروا!”، حتى تتحول الجموع إلى جيشٍ غير واعٍ ينفذ ما لا يفهمه، ويقاتل من لا يعرفه، ويؤمن بما لم يفكر فيه لحظة واحدة!
الهستيريا الجماعية تخلق أعداءً وهميين، ومعارك بلا معنى، وانتصارات بلا قيمة!
تبني عالمًا زائفًا يغرق فيه الناس ويظنون أنهم يعومون!
إنها تشبه نومًا طويلًا على سرير من الخوف، يظن فيه النائم أنه يحارب وحوشًا، بينما الوحش الحقيقي يجلس داخل رأسه، ضاحكًا، مطمئنًا، لأنه ليس مضطرًا لفعل شيء… فالشعب يقوم بالمهمة عنه!
وحين تهدأ العاصفة، لا يبقى سوى الدمار:
علاقات انكسرت!
حقائق انهارت!
وعي تآكل!
ومجتمع استيقظ متأخرًا ليدرك أنه خسر أكثر مما ظن أنه دافع عنه!
الهستيريا الجماعية ليست لعنة جاءت من السماء، بل نتيجة ثقافة تمجّد الانفعال وتزدري التفكير!
نتيجة مدارس تقتل الأسئلة بدل أن تزرعها!
نتيجة أنظمة تريد شعبًا يصرخ لا شعبًا يفهم!
نتيجة خوف من الحرية، من العقل، من الذات!
الشعوب التي لا تمارس التفكير اليومي تتحول إلى ضحية سهلة لأول صدمة!
والشعوب التي تخاف الشك، ستعبد أول كذبة!
والشعوب التي تهرب من الحقيقة، ستجد نفسها تركض خلف وهم جديد كل يوم!
إن الخلاص لا يأتي بالصراخ، بل بالجرأة على مواجهة الذات!
لا يأتي بالهروب ضمن القطيع، بل بالخروج من صفوفه!
لا يأتي بالانفعال، بل ببناء وعيٍ لا تهزه إشاعة، ولا يسقط أمام خوف، ولا يتحوّل إلى صدى لأي صوتٍ أعلى من صوت العقل!
فالشعوب التي تتعلم أن تفكر… لن تضطر يومًا إلى الصراخ!