
منذ سنوات، كنتُ أقول — ولا أزال — إن الخوف هو المرض الأول في العالم!
ليس لأن التجارب علمتني ذلك فقط، بل لأنني رأيتُ بأمّ عيني كيف تُبنى الكوارث البشرية على خوفٍ صغير، ثم يكبر كالطفيلي في روح المجتمع حتى يتحول إلى وباءٍ شامل!
وفي كتبي، خاصة “الدين وصناعة الأمراض النفسية” وصفتُ الخوف بأنه أكثر المشاعر قدرة على صناعة الوهم، والمرض، والخضوع… فهو عصب كل سلطة، وعنصر كل طاغية، ووقود كل جماهير مذعورة!
واليوم، يأتي العلم ليؤكّد ما كتبته قبل أعوام في “حفريات في خراب الإنسان”:
الخوف مُعدٍ!
مُعدٍ كما الفرح، لكنه أسرع، وأعمى، وأكثر قدرة على الانتشار!
إنه الوباء الذي يمشي بيننا دون أقدام، يتكاثر في الهواء الذي نتنفسه، وينتقل من نظرةٍ مرتجفة إلى نبرةٍ قَلِقة، ومن صرخةٍ عابرة إلى انهيارٍ جماعي!
العلم يؤكد: الخوف ينتقل مثل الفيروس!
الدراسة التي نشرتها مجلة Popular Science قبل فترة قصيرة (نشرتها على صفحتي)، كشفت شيئًا مذهلاً:
الخوف ينتقل بلا سببٍ واضح!
يكفي أن يجلس شخصٌ خائف في الطائرة، فتبدأ اللوزة الدماغية لدى من حوله بإطلاق صافرة الإنذار، ويتهيأ الجسد لقتال خطرٍ لا يراه أحد!
كما قال عالم النفس أراش جافانباخت:
نحن نتعلم مما يخاف منه الآخرون!
تمامًا مثلما أشرت إليه في “حفريات في خراب الإنسان”:
الإنسان لا يورث أبناءه المال فقط، بل يورثهم مخاوفه أيضًا!
العلم يقول إن النظر إلى وجهٍ خائفٍ يكفي لتنشيط مناطق الخطر في دماغك، وإن الاستماع لصوتٍ مذعورٍ كافٍ لتسريع نبض قلبك، بل حتى رائحة الخوف — نعم، رائحته — يمكن للبشر أن يلتقطوها دون وعي!
وهذا ما كتبته في “ضد الجميع”:
الخوف لا يزور الإنسان وحده… إنه يأتي ومعه قطيع كامل!
من الخوف الفردي إلى الخوف القطيعي!
في الكثير من كتاباتي شرحتُ أن أخطر ما أصاب الوعي العربي ليس الجهل، بل الخوف من السؤال!
وحين يصبح الخوف جماعيًا، يتحول إلى “حقيقة”!
فلا أحد يجرؤ على نفي ما يخشاه الجميع، لأن القطيع لا يناقش… بل يُعدي!
الخوف الجماعي هو الذي جعل الناس تخاف من الحرية أكثر مما تخاف من السجن!
هو الذي صنع آلاف الآلهة عبر التاريخ!
وهو الذي جعل العالم ينهار تحت ديكتاتوريات لا تستند إلا إلى رعشةٍ واحدة تنتشر من شخصٍ إلى شعب!
أشرت لذلك في “الدين وصناعة الأمراض النفسية”:
الخوف هو الأكسجين الذي تتنفس به الأديان القائمة على العقاب، بدونه ينهار النظام القائم على الطاعة!
كل سلطة دينية أو سياسية بنت أركانها على هذا المبدأ القذر:
أن تخيف الإنسان حتى يتخيل أن الخضوع أمان!
من اللوزة الدماغية إلى الفلسفة: الخوف ليس في الدماغ فقط… بل في التاريخ كله!
طبيًا، اللوزة الدماغية (Amygdala) هي مركز الإنذار في الدماغ!
لكن في الفلسفة، الخوف أعمق من عضو بيولوجي… إنه الذاكرة الأولى للإنسان!
ذاكرة الليل، والقطيع، والحيوان الذي كنا عليه قبل أن نُصبح “متحضرين”!
ولهذا قلتُ في “حفريات في خراب الإنسان”:
الخوف هو الأب الحقيقي لكل الأكاذيب البشرية!
فالإنسان يكذب ليهرب من خوفه، يختلق القصص كي يتنفس، ويقدّس الوهم لأنه يخشى مواجهة الحقيقة!
هذا هو الخوف الوجودي الذي يجعل الإنسان يخاف من نفسه قبل أن يخاف من العالم…
الخوف من الحرية، من الوحدة، من المعنى، من الفراغ!
وهذا ما فصلته في كتابي الجديد “صورة الإله في مرآة الكذبة” (قريبًا) حين شرحت كيف يخترع الإنسان إلهاً كي لا ينظر إلى العدم!
وكما قلت في “حفريات”:
الإنسان لا يخاف من الظلام، بل من الجزء المظلم في داخله!
وسارتر عبّر عن ذلك حين قال:
الحرية تخلق الخوف، لأن الإنسان حين يدرك أنه حر، يدرك أنه مسؤول عن كل ما يحدث له!
إذن، الخوف ليس من الحدث، بل من التفسير!
الخطر واحد، لكن الخوف يتضخم بقدر ما نُضيف عليه من خيالنا!
الإنسان لا يهرب من الواقع، بل من صورته المشوّهة في عقله!
الخوف في الحياة اليومية… العدوى التي لا نراها!
كلنا رأينا مشاهد الخوف تنتشر كالنار في الهشيم:
• شخص يرتبك في الطائرة، فيرتجف الصف كله!
• امرأة تصرخ في الشارع، فيركض العشرات بلا سبب!
• طفل يخاف من الظلام، فيخاف البيت كله!
الخوف يسبق المنطق، ويخترق الإنسان قبل أن يفكر!
كما كتبتُ في “الدين وصناعة الأمراض النفسية”:
الرهاب الديني لا يحتاج دليلًا… يكفي أن يخاف واحد، ليخاف الجميع!
الخوف يحدث دومينو داخليًا!
قطعة صغيرة تسقط، فينهار الوعي كله!
ورأيتُ ذلك مرارًا في الميدان:
جنديٌّ واحد يفقد أعصابه، فينهار صفٌّ كامل من المسلحين!
وأمّ تهدأ فقط حين يتوقف طفلها عن البكاء… ثم تكتشف أنه توقف لأنها هدأت أولًا!
الخوف والطمأنينة في النهاية فيروسان متناقضان…
واحد يدمّر، والآخر يرمّم!
وكل واحدٍ منّا ينقل أحدهما كل يوم!
كيف نكسر هذه العدوى؟!
لا نكسر الخوف بالشجاعة، بل بالوعي!
الوعي بأن الخوف ينتقل يجعلك مسؤولًا عن منعه لا مشاركته!
أن تهدأ، يعني أن تهدئ الآخرين!
أن تتماسك، يعني أن تقطع سلسلة العدوى النفسية!
كما كررتها كثيرًا في كتبي:
الشجاعة لا تهزم الخوف… بل تحرره من وظيفته القديمة!
ولذلك، ربما أهم لقاح في هذا العالم ليس ضد الفيروسات… بل ضد الخوف نفسه!
حين تدرك أنه ينتقل عبرك، تصبح أنت الجدار الأول الذي يمنع العدوى!
كما قال ديباك شوبرا:
الناس لا تسمع كلماتك، بل تشعر بحالتك الداخلية!
الخوف ينتقل، لكن الطمأنينة أيضًا معدية!
وهنا تكمن مسؤوليتك الأخلاقية والوجودية:
أن تختار أي عدوى ستنشر اليوم!
في النهاية، الخوف هو الوباء الذي نربّيه بأيدينا!
الخوف ليس عدوًا فحسب، بل معلّم قاسٍ يقول لنا إننا ما زلنا نحيا!
لكن متى تحوّل إلى عدوى، صار أخطر من الفيروسات، لأنه يهاجم الفكر والروح لا الجسد فقط!
ربما ما يحتاجه هذا العالم اليوم ليس مزيدًا من الأقنعة الواقية… بل وعيًا يُعيد الإنسان إلى طمأنينته الأولى!
كما قلتُ في إحدى حفرياتي:
الخائف يبحث عمّن يخيفه أكثر كي يطمئن!
وحين يقف أحدنا ويقول “كفى”…
تحدث عدوى من نوعٍ آخر:
عدوى الشجاعة! عدوى الهدوء! وعدوى الإنسان حين يتذكّر أنه قادر على أن يعيش بلا رعب!