
أعزّائي، لست هنا لأطارد الأكاذيب، بل لأفضح آلياتها!
فحين تتعرّى الكذبة، تسقط دون أن يفضحها أحد!
لأن التحرر لا يبدأ من الشوارع، بل من العقول!
بعض الرسائل تصلني متسائلةً عن الخبر الفلاني والعلاني”، وعن مصداقية هذا الشخص أو ذاك، وكأن الحقيقة أصبحت في جيب أحدهم ينتظر من يشتريها بأرخص الأكاذيب!
أولًا، شكرًا على الثقة، فهي في زمن كهذا تعني لي الكثير!
ثانيًا، اسمحوا لي أن أوضح شيئًا: لست هنا لأجري وراء كل إشاعة، ولا لأطارد ظلالًا تتكرر بأسماء مختلفة!
ما يحدث اليوم هو إعادة بثّ لما قيل منذ عقود، ولكن بتقنيات تصوير أحدث!
المشهد ذاته: الجلاد نفسه، الضحية نفسها، والدم ذاته… فقط الأزياء تغيّرت!
هل يُعقل أن أكرّر كل يوم ما قلته منذ سنوات؟!
اذهبوا لصفحتي القديمة وابحثوا في أرشيفها، واروني مالشيء الجديد لديكم الذي لم نتكلم عنه منذ سنوات طويلة؟!
أأظل أصرخ في وجه ذات الجدار، وأحلّل ذات الخراب بأسماء جديدة؟!
لقد قلتها مرارًا: أنا لن أتكلم عن القشور، بل أذهب مباشرة إلى الجذور!
القشور تلمع وتُباع بسرعة، أمّا الجذور فمدفونة في العفن، تحتاج جرأة من نوع آخر لنبشها!
كلّ ما ترونه من أحداث سياسية أو اجتماعية أو إعلامية، ليس سوى أعراضٍ لمرضٍ واحد لم يُشخَّص بعد: الجهل المنظّم!
ذلك الجهل الذي لا يحتاج إلى كتب ليعيش، بل يكفيه أن يكرّر ما يسمع، ويصدق ما يريده أن يكون حقيقيًا!
حين تسألني: هل فلان كاذب؟!
أبتسم وأقول: لا فائدة من معرفة الكاذب، ما لم تتعلّم أنت كيف تُكشَف الكذبة!
سيذهب فلان، ويأتي علّان، وسنظل نرقص حول المأساة ذاتها، نبدّل الأقنعة ونصفّق للوهم ذاته!
عندما يفهم الإنسان الكذبة لا ليكره من قالها، بل ليعرف كيف صُنعت… عندها فقط يبدأ أول فصول الحرية!
القضية ليست في الأشخاص، بل في البيئة التي تلدهم وتُرضعهم وتعيد إنتاجهم!
في التربة التي لا تنبت إلا طغاة لأن بذورها فاسدة من الأصل!
ما لم نُصلح العقل الجمعي، ستظل السلطة — أيًّا كان شكلها أو شعارها — مجرّد مرآةٍ لخراب الداخل!
انظروا إلى الشعوب التي تجاوزت هذا المستنقع!
لديهم صحف صفراء، ومهرجون على الشاشات، ومؤامرات تُحاك ليلًا ونهارًا، لكن الشعب الواعي لا يتأثر بها!
لماذا؟!
لأنهم تعلّموا أساليب التلاعب، فصاروا محصّنين ضد الأكاذيب!
أما نحن، فكلّ من يرفع صوته قليلاً نعتبره نبيًّا، وكل من يبكي أمام الكاميرا نعدّه شهيدًا، وكل من يصرخ ضد الطغيان نمنحه وسام “الحرية”، حتى لو كان طاغيةً جديدًا يتدرّب على ذبحنا!
لن أتعب في نقد الأشخاص، لأن المشكلة لم تكن يومًا في الأشخاص!
الطغاة ومطبليهم ونقّادهم يتبدّلون، لكن الشعوب التي تصنعهم تبقى كما هي!
وحتى يتغير الإنسان من الداخل، لن يتغير الخارج مهما سقطت تماثيل وبُنيت أخرى!
فهم الجذور يعني التحرر الحقيقي!
وحين يفهم الشعب آليات الخداع النفسي، ويعرف كيف تُصنع الكذبة، لن يحتاج إلى من يخبره من هو الكاذب، لأن الكذبة ستفضح نفسها أمام وعيه!
ذلك هو التحول الذي أبحث عنه، لا أن أقول “هذا صادق وذاك كاذب”، بل أن أعلّم كيف يُخلق الكذب وكيف يُروَّج له وكيف يُقدَّس باسم الدين والوطن والبطولة!
حينها فقط، لن يكون بيننا من يسأل عن مصداقية أحد، لأننا سنكون قد تعلّمنا أخيرًا أن الحقيقة ليست في الأفواه، بل في العقول التي تعرف كيف تميّز!
وأعلم يقينًا أن محتواي ليس من النوع الرائج، ولن يحصد إعجاب القطعان ولا تصفيق الجهلاء!
ولو كنت أبحث عن اهتمام الحمقى، لوزّعت عليهم الغباء بعلب أنيقة كما يفعل الكثيرون حين يبيعون لهم الأوهام!
لكنّي لا أهتم بغزارة التفاعلات على حساب الحقيقة!
كلّ ما طلبته يومًا، وما أطلبه من أصدقاء المعرفة أن يساهموا في نشرها!
ستبقى أبحاثنا وكتبنا ومقالاتنا شاهدة على عمق ما نقوله، وستكون مرجعية للمعرفة شاء أبناء الجهل ومروّجوها ومستغلوها أم لم يشاؤوا!
تذكروا:
لن ينهض الإنسان ما دام يخاف الحقيقة أكثر مما يخاف الكذب!