اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات فخار يطبش بعضه؛ كلهم مثل بعض!

فخار يطبش بعضه؛ كلهم مثل بعض!

0
فخار يطبش بعضه؛ كلهم مثل بعض!

هذه الجملة ليست مجرد مقولة عامية نتندر بها في الجلسات، بل مبدأ نفسي جماعي دمّر فينا روح المسؤولية والتعاطف الإنساني!

إنها ليست حيلة لغوية، بل آلية دفاع نفسية تبرّر اللامبالاة وتغسل الأيدي من الدم دون أن تشعر بالخطيئة!

حين نقول “فخار يطبش بعضه”، نحن نمارس دون وعي التخدير الأخلاقي لأنفسنا!

نعلن انسحابنا من المعركة الأخلاقية، ونرتاح تحت مظلة العدمية المريحة: كلهم مثل بعض!

نغسل أيدينا من كل موقف إنساني أو أخلاقي، ونمنح عقولنا عذرًا أنيقًا لعدم التدخل أو حتى التعاطف!

إنها ما يُعرف في علم النفس بـ “اللامبالاة الدفاعية” (Defensive Apathy)، حيث يُحوّل الإنسان صراعات الآخرين إلى مادة للتقليل أو السخرية، كي لا يشعر بالذنب أو العجز أمام مأساتهم!

وهكذا تتحول الكارثة إلى مشهد يومي بلا ألم، والمجازر إلى “أخبار عادية”!

خذ مثالًا صارخًا: حين علم الناس أن “حماس” بعصاباتها ارتكبت مجازر في فلسطين أو الأردن أو لبنان أو سوريا، تحول كثيرون إلى لا مبالين تجاه الضحايا الأبرياء في غزة!

يُبررون صمتهم بقولهم “كلهم مثل بعض”، وكأن الأطفال الذين يُقتلون مسؤولون عن أفعال المتطرفين! إنها آلية إسقاط جماعية تتيح للناس تبرير القسوة دون صدام مع ضميرهم!

والأمر ذاته يتكرر بين الطوائف والمذاهب!

فالسني قد يتعاطف مع ضحايا في باكستان أو كشمير، لكنه يغلق عينيه عن جاره العلوي أو الدرزي أو المسيحي في وطنه نفسه!

والشيعي اللبناني أو العراقي يذرف الدموع على ضحايا إيران، لكنه لا يرى السنة أو المسيحيين أو الدروز أو غيرهم من المذبوحين في بلده!

والمسيحي قد يتألم لضحايا في الصومال إذا كانوا “من دينه”، لكنه لا يشعر بشيء أمام ضحية مسلمة تقطن الحي نفسه!
وهذا ما ينطبق على جميع الطوائف!
حتى الكردي والعربي والسرياني والأمازيغي والشركسي… الكل يمارس الشكل ذاته من التحيّز النفسي المغلق، كأن الإنسانية قُسِّمت إلى قبائل من المشاعر!

في التحليل النفسي، يُسمّى هذا النمط “التعاطف الانتقائي” — وهو انفعال ناتج عن الانتماء الجمعي، حيث لا يتفاعل الفرد مع الألم إلا إذا كان مصدره “من داخل القطيع”!

إنه الوجه المظلم لما يُعرف بـ “الهوية الدفاعية”، تلك التي تُبنى لا على الوعي أو الأخلاق، بل على الخوف، والاصطفاف، وذاكرة مشوّهة تُعيد إنتاج الحقد باسم الولاء!

نحن في الحقيقة ورثنا أحقادًا لا نفهمها، ونعيش كراهية لم نصنعها!

إنها وراثة انفعالية، تنتقل عبر الأجيال دون وعي، تُلقّننا منذ الطفولة كيف نحب ونكره، دون أن نفهم السبب!

فنكره من لا نعرف، ونتعاطف فقط مع من يشبهنا، ونقسو على الآخرين وكأن الألم لديهم لا يُحسب ألمًا!

وهنا تكمن الهبة الكبرى للطغاة!

فحين تنقسم المشاعر، يسهل التحكم في العقول!

وحين يتحول الجار إلى “آخر”، يصبح قتل الضمير أمرًا سهلاً!

فالأنظمة تعرف أن السيطرة لا تحتاج إلى قمع الفكر فحسب، بل إلى تدمير القدرة على التعاطف، لأنها الطاقة الوحيدة القادرة على خلق الوعي الجماعي والمقاومة!

وهكذا، تختصر العبارة “فخار يطبش بعضه” مأساة حضارية كاملة:

إنها ليست مثلًا شعبيًا فحسب، بل عقيدة لاشعورية في تبرير القسوة!

جعلتنا نضحك بدل أن نحزن، ونغلق عيوننا بدل أن نرى، ونبرر الشر بدل أن نرفضه!

وحين يفقد الإنسان القدرة على التعاطف، لا يعود هناك فرق بين الجلاد والضحية…

فكلاهما، في النهاية، قطعة فخار تنتظر أن تُطبش!