اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات الشعوب الحدّية؛ حين يصبح الاضطراب النفسي هوية جماعية!

الشعوب الحدّية؛ حين يصبح الاضطراب النفسي هوية جماعية!

0
الشعوب الحدّية؛ حين يصبح الاضطراب النفسي هوية جماعية!

هناك شعوب تشفى من “صدماتها” (ألمانيا، اليابان… بعد الحرب العالمية الثانية)، وهناك شعوب تتغذّى منها (العرب، خذ الأندلس مثالًا)!

في العالم العربي، لم نعد أمام أفراد مضطربين، بل أمام وعي جمعي مصاب بالحدّية!

أمّةٌ تتأرجح بين أقصى الحبّ وأقصى الكراهية، بين تقديس الذات واحتقارها، بين صراخ المطالبة بالحرية والركوع عند أول عصا تهوي على الظهر!

هم يعيشون، منذ قرون، حالة نفسية جماعية تقترب إلى حدّ التطابق مع اضطراب الشخصية الحدّية، حيث لا ثبات في الهوية، ولا توازن في العاطفة، ولا وضوح في العلاقة مع “الآخر” أو مع الذات نفسها!

هم الذين يقولون في الصباح “الشعب يريد إسقاط النظام”، ثم في المساء “الله يحميك يا سيادة الرئيس”!

قالت العرب قديمًا: الناس مع من غلب!
ولم يدركوا أنهم بهذه الحكمة الباردة أطلقوا تشخيصًا عبقريًا لواحد من أكثر أمراض الأمة النفسية رسوخًا!

هم لا يحبّون القوي، بل يحتاجونه!
لا يحترمون منطق القوة، بل يرتعبون من فقدانها!
يعيشون في علاقة حب–كره مع كل سلطة، وكل إله، وكل فكرة!

في علم النفس، يُعرّف الحدّي بأنه من لا يملك صورة ثابتة عن نفسه، فيبحث عنها في عيون الآخرين!

وهكذا هي الشعوب العربية: لا ترى ذاتها إلا عبر “مرآة الغير” — الغرب، الدين، الماضي، المستبد، الغازي، المخلّص!

هم لم يصنعوا صورتهم، بل صُنعت لهم، ولهذا يتقلّبون معها كل يوم!
حين ينبهرون بأوروبا يقولون: انظروا كيف يعيش الإنسان هناك!
وحين يُهانون منهم يقولون: نحن خير أمة أخرجت للناس!

هذا التذبذب ليس فكريًا فقط، بل انفعالي وجودي!
يشبه تمامًا من يقول: “أنا لا أستحق الحب”!
ثم يبكي لأنه لم يُحَبّ!

الشخص الحدّي يخاف أن يُترك وحيدًا، فيتوسّل البقاء ولو بثمن كرامته!
والعقل الجمعي العربي يعيش هذه العقدة حرفيًا!

هم يخشون أن يُقصَوا من التاريخ، فيتسوّلون الاعتراف من الآخر الذي يكرهونه!
يغضبون من استعماره، ثم ينتظرون دعمه!
يلعنون الغرب الاستغلالي، ثم يرسلون أبناءهم لجامعاته، ويقيسون تحضّرهم بمقدار ما يشبهون به!

مثلهم كمريض الحدّية الذي يقول لحبيبته: اقتربي… ولكن لا تقتربي كثيرًا، أحتاجكِ… لكن وجودكِ يؤذيني!

علم النفس التحليلي يقول إن الصدمات إن لم تُعالج تتحول إلى أنماط متوارثة من السلوك!

هم أمّة لم تخرج بعد من صدماتها: سقوط الأندلس، الغزوات، الاستعمار، النكسة، الاستبداد، الدين المسلّح، والخذلان المتكرر!
كل ذلك صنع جرحًا جمعيًا صار جزءًا من الهوية!

مثل الطفل الذي يُهمل في صغره، فيكبر وهو يبحث عن “أب” صارم يطمئنه بالقسوة!

هم بدورهم ما زالوا يبحثون عن “الزعيم الأب”، حتى لو كان جلادًا!

ولذلك يغضبون من الديكتاتور حين يضربهم، لكنهم ينهارون حين يسقط، لأنهم لا يعرفون كيف يعيشون بدونه! (خذ سوريا مثالًا: عقب سقوط ديكتاتورٍ، سارعوا إلى دعم بَديلٍ أكثر قسوةً وإجرامًا، مدرَجٍ على قوائم الإرهاب الدولية؛ فتحوّل المشهد من احتجاجاتٍ ضد الجولاني في الشمال إلى هتافاتٍ مؤيّدة واستعداداتٍ للتضحية بأرواحٍ من أجله! وهذا ما ينطبق حرفيًا على بقية الدول الناطقة بالعربية!).

كما قال المثل الشعبي: اضربني بس خليني أحبك!
وهذا المثل، رغم طرافته، يختصر مأساة أمة كاملة!

من صفات الشخصية الحدّية شعورها المزمن بالفراغ!
وذلك ما يعيش في مجتمعاتهم، حيث تمّ قتل الفكرة، ومطاردة السؤال، وتجريم النقد!

حين يُمنع الإنسان من التفكير، يبحث عن أي قطيع ينتمي إليه…
دين، طائفة، حزب، زعيم، حتى لو كان قاتله!

لذلك تراهم يهتفون باسم من دمّرهم، ويُبجّلون فكرة سجنتهم، لأن الوعي لديهم لم يعد يفرّق بين الانتماء والعبودية!

الحدّي لا يحتمل العزلة، والعقل العربي لا يحتمل الحرية!
كلاهما يخاف مواجهة ذاته، فيبحث عن “آخر” يتماهى معه كي يهرب من خوائه!

الحدّي يحب بعنف ويكره بعنف، يثور بلا حساب، ثم يندم بدموع حقيقية!

وهكذا هي ثوراتهم، وانفعالاتهم، وقراراتهم السياسية والاجتماعية!
كل شيء لديهم عاطفة بلا وعي، اندفاع بلا مشروع، حلم بلا نضج!
يهتفون اليوم للحبّ والسلام، وغدًا يحملون السلاح باسم العدالة!

يقولون: “اللهم انصرنا”! وهم يقتلون بعضهم!
يلعنون الظلم، لكنهم يظلمون أول من يخالفهم الرأي!

تسكنهم ازدواجية حدّية تشطر وعيهم نصفين:
يحبّون العدل حين يخدمهم، ويكرهونه حين يهدد مصالحهم!

العلاقة بين الشعوب العربية وحكّامها ليست سياسية، بل نفسية بامتياز!

الحاكم يلعب دور “الوالد المتسلّط”، والشعب يلعب دور “الطفل المتأرجح بين الحبّ والتمرد”!

ولهذا، كل تغيير عندهم يأخذ شكلًا دراميًا، لا عقلانيًا!

إنها علاقة حدّية:
هم يكرهونه لأنه يجلدهم، ويحبّونه لأنه يخيفهم!

كما قال نيتشه: العبيد يصنعون آلهتهم من خوفهم، ثم يسجدون لها ليتأكدوا أن خوفهم مبرر!

العلاج: من الانفعال إلى الوعي!

الشعوب الحدّية لا تحتاج إلى ثورة أخرى، بل إلى تحليل نفسي جماعي!
يحتاجون إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل قبل إعادة بناء الدولة!
أن يتعلموا أن الحب لا يعني الطاعة، وأن النقد لا يعني الخيانة، وأن الحرية ليست فوضى، بل مسؤولية!

العلاج الحقيقي يبدأ حين يكفّون عن لعب دور “الضحية”، ويفهمون أن ما يكررونه هو أعراض مرض لا يريدون الاعتراف به!

كما قال يونغ: ما لا نواجهه في داخلنا سيعود إلينا على شكل قدرٍ في الخارج!

إنهم باختصار شعوب لم تعش النضج بعد، لأنها ما زالت تخاف أن تكبر!

تعيش الحنين إلى الماضي كطفلٍ إلى حضن أمه، وترتعب من المستقبل كطفلٍ من الظلام!

الشعوب الحدّية لا تموت، لكنها أيضًا لا تشفى بسهولة!
هي كجرحٍ مفتوح يرفض الالتئام لأنه تعوّد الألم وصار جزءًا من هويته!
ومع ذلك، يبقى الأمل في جيلٍ يعترف بالجنون كي يبدأ العلاج!
جيلٍ لا يخاف أن يقول: نعم، نحن مرضى… ولكننا سنشفى!

كما قال سقراط: الاعتراف بالجهل بداية الحكمة!

وأنا أقول: الاعتراف بالاضطراب بداية الوعي!

حينها فقط، يمكن لهذه الأمة أن تخرج من طور الطفولة الحدّية إلى طور النضج الإنساني، وتتعلم أن تحبّ الحياة دون أن تقدّس قاتليها!