
ليس كلّ الطغاة يحملون سلاحًا… بعضهم يحمل فكرة!
وإدوارد بيرنز هو أحد أخطر من حملوا الفكرة التي غيّرت وجه الوعي الإنساني في القرن العشرين!
ابن أخت سيغموند فرويد، لكنه لم يرث منه علم النفس ليعالج البشر، بل ليستعبدهم بطريقة ناعمة! استعار من خاله مفاتيح اللاوعي، واستغلها ليصنع أداة جديدة اسمها “هندسة القبول الجماهيري”!
منذ تلك اللحظة، لم تعد الدعاية مجرّد إعلانات، بل أصبحت فنّ توجيه العقول دون أن تشعر بأنها تُقاد!
من فرويد إلى بيرنز: رحلة اللاوعي من العيادة إلى السوق!
كان فرويد يبحث في أعماق النفس ليحرّر الإنسان من عقده المكبوتة!
أما بيرنز، فبحث في العقد نفسها ليعرف كيف يبيعها له من جديد بشكل جميل!
فرويد قال: الإنسان تحركه رغباته اللاواعية!
فقال بيرنز: إذن لنجعل الرغبات تُباع في الأسواق!
هكذا حوّل علم النفس إلى علم سيطرة!
لم يعُد المهم أن تقول للناس الحقيقة، بل أن تصوغها بطريقة تجعلهم يريدون تصديقها!
حملة “مشاعل الحرية”؛
الحرية التي بدأت بسيجارة!
في العشرينات، كانت النساء في أميركا لا يدخّن، لأن التدخين كان يُعدّ “فعلاً غير محترم”!
فماذا فعل بيرنز؟!
أطلق حملة دعائية ذكية، دعا فيها النساء إلى التدخين علنًا تحت شعار: “مشاعل الحرية”!
ببساطة، غيّر المعنى لا الفعل!
فما كان فعلاً مستهجنًا، أصبح رمزًا للتحرّر!
نجحت الحملة، وارتفعت مبيعات التبغ بشكل جنوني، وولدت الدعاية الحديثة من رحم اللاوعي الأنثوي!
تلك الحملة لم تكن عن التدخين… بل عن كيف نزرع الفكرة في النفس ونربطها بالعاطفة!
فبدل أن تقول للمرأة “اشتري السيجارة”، قال لها: “كوني حرّة”!
فتشتري دون أن تعرف أنها اشترت القيد بشكلٍ جديد!
بيرنز والمجتمعات العربية: هندسة الرأي بعباءة الفضيلة!
قد يقول البعض إن هذا يخصّ الغرب فقط!
لكن لو نظرنا حولنا، لرأينا أن بيرنز يعيش بيننا بأسماء مختلفة!
كم من حملة دينية، سياسية، أو إعلامية تُدار اليوم بنفس الأسلوب؟!
كم من فكرة تُقدَّم لا كحقيقة، بل كرمز عاطفي يمسّ اللاوعي الجمعي؟!
في العالم العربي، تُستعمل الدعاية ليس فقط لتسويق منتج، بل لتسويق قناعات ومواقف وسرديات كاملة!
باسم “الوطن”، تُبرَّر الأخطاء!
وباسم “الدين”، تُقتل الأسئلة!
وباسم “الهوية”، يُعاد إنتاج الخوف من الآخر!
كلّها أدوات بيرنزية بامتياز!
لا يُقال لك ما يجب أن تفكّر به، بل تُدفع لتشعر بما يجعلهم يوجّهونك كما يشاؤون!
من هندسة الصورة إلى صناعة الرغبة!
بيرنز كان يقول: إن السيطرة على الجماهير ضرورة في المجتمعات الحديثة، لأن التفكير الجماعي يحتاج توجيهًا!
في العالم العربي، تُستخدم نفس الفكرة لتبرير احتكار الحقيقة!
الإعلام هنا لا يعرض الوقائع، بل يصنع رواية جاهزة، ويُغرقك بصور وحكايات مشحونة بالعاطفة كي تذوب في القطيع!
فحين تُرى السلطة كـ”أب”، والمعارضة كـ”خيانة”، والاختلاف كـ”خطر”، تكون قد دخلت مختبر بيرنز دون أن تدري!
علم النفس في خدمة الكذب الجماعي!
في التحليل النفسي، الإنسان الذي يخاف الحقيقة يبحث دائمًا عن كذبة مريحة!
وهنا تكمن عبقرية الدعاية: أن تمنحك الكذبة التي تحتاجها لتستمر في النوم!
المجتمعات العربية – بتركيبتها العاطفية والدينية والرمزية – تُعدّ أرضًا خصبة لهذا النوع من التلاعب!
لأنها لا تبني رأيها على المعلومة، بل على الانتماء، والمشاعر، والرموز!
لهذا، تجد السياسي يستعمل لغة “الأب” و”الكرامة” و”الإيمان”!
والتاجر يستعمل لغة “البركة والنية”!
والإعلامي يستعمل لغة “نحن” و”هم” ليزرع الخوف والاصطفاف!
كلّها أدوات من كتاب بيرنز نفسه، لكنها مغلّفة بالعربية المقدّسة!
أمثلة عربية حديثة!
حين تُطلق حملة تقول “من أجل الله والوطن” (أو حملة الوفاء لإدلب أو درعا)، دون أن تحدّد ماذا تعني بـ”من أجل”، فاعلم أن بيرنز يبتسم في قبره!
حين يتحوّل منتج تجاري إلى رمز ديني، أو يُقاس الولاء باللباس لا بالأخلاق، فاعلم أن الدعاية انتصرت على الوعي!
وحين يُقنعك الإعلام بأنك اخترت بنفسك، رغم أنّ كلّ ما حولك دفعك نحو خيار واحد… فاعلم أن اللاوعي هو من صوّت لا أنت!
تعبير عن جوهر الفكرة بطرق مختلفة!
حين لا تعرف لماذا تؤمن بشيء… فابحث عمّن زرعه فيك!
ليست أخطر الأكاذيب تلك التي تُقال لك، بل تلك التي تقنع نفسك بها!
من يملك صورة المستقبل، يملك قرار الجماهير!
الدعاية الحديثة لا تبيع منتجًا، بل تبيع وهمًا يمنحك شعورًا بالرضا
نحو وعي مضادّ: كيف نكسر هندسة اللاوعي؟!
الوعي يبدأ حين تشكّ في الرسالة التي تُشعرك بالارتياح!
فالدعاية لا تريد منك أن تفكّر، بل أن تحسّ دون أن تسأل!
كلّ فرد يحتاج أن يتدرّب على ما سمّاه علماء النفس “الانتباه الميتا-معرفي”؛ أي أن تراقب أفكارك كما يراقب الطبيب نبض المريض!
اسأل نفسك:
لماذا أحبّ أو أكره هذه الفكرة؟!
من المستفيد من تصديقي أو تكذيبي لها؟!
ولماذا يُراد لي أن أكره أو أحبّ ذاك الآخر؟!
حينها فقط تخرج من مختبر بيرنز، وتبدأ مختبرك أنت: مختبر الحرية الفكرية!
تذكّر: إدوارد بيرنز لم يخلق الدعاية… لكنه جعلها فنًّا يُمارس بذكاءٍ وشرّ!
علّم العالم كيف يُقنع الجماهير بأنها حرة وهي مقيدة!
أما نحن في العالم العربي، فما زلنا نعيش بين بيرنز السلطة وبيرنز الدين وبيرنز السوق…!
ثلاثتهم يتناوبون على هندسة اللاوعي العربي، كي لا يرى ذاته إلا كما يريدون له أن يراها!
لكنّ الوعي لا يُباع في الإعلانات، ولا يُشترى في المساجد، ولا يُمنح من الشاشات!
الوعي يُنتزع كما تُنتزع الحرية… حين نكفّ عن تصديق من يخبرنا بما نحبّ أن نسمع!