
من أخطر الأمراض النفسية التي ابتُليت بها الشعوب العربية عبر التاريخ هو هوس البحث عن اعتراف الآخر لتثبيت كذبة داخلية يعيشونها!
فالمؤمن المهووس بحاجة إلى عالم غربي “يشهد” بأن كتابه المقدس هو كتاب العلم المطلق، حتى لو كان هذا العالم لا وجود له أصلًا إلا في مخيلة كاتب مجهول في صحيفة صفراء!
والسياسي المستبد بدوره، لا يكتفي بجنوده وطبّاليه، بل يبحث عن جملة مجاملة من ممثل هوليودي أو عن تصريح بروتوكولي من دولة عظمى، ليقدّمها لشعبه كـ”انتصار تاريخي”!
لعلّ الكثيرين يتذكرون أخبار مثل: العالم الألماني الذي أسلم بعد أن اكتشف أن القرآن سبق العلم!
أو العالم الدنماركي الذي بكى عندما سمع سورة الرحمن!
والغريب أن أحدًا لم يسأل: من هؤلاء؟! أين أبحاثهم؟!
لماذا لم نجد أسماءهم في سجلات الجامعات التي يُزعم أنهم يتبعونها؟!
الجواب بسيط: لأنهم شخصيات وهمية صُنعت لتُعطي الجماهير المخدّرة شهادة مزورة من الغرب، كي يشعروا أن كذبتهم ليست كذبة!
هذا ما يسميه علم النفس بـ الإسقاط النفسي الجماعي: حين يعجز الإنسان عن مواجهة حقيقة ضعفه، يبحث عن “صوت خارجي” ليؤكد له أن ما يعيشه حقيقي!
كطفلٍ يحتاج أن يقول له والده “أحسنت” حتى لو رسم خربشة لا معنى لها!
في السياسة، المشهد أكثر إثارة للسخرية!
فكم من ديكتاتور استبدّ وقمع ونهب، ومع ذلك تتناقل صحفه عناوين مثل:
• الرئيس الفلاني أشاد به الأمين العام للأمم المتحدة!
• الممثلة الفلانية أو الوزيرة الغربية الفلانية انبهرت بوسامته وثقافته!
• الدولة الفلانية ترى فيه رجل سلام!
بينما الحقيقة أن هذه “الإشادة” قد لا تكون أكثر من جملة بروتوكولية فارغة، أو كلمة مجاملة في مؤتمر صحفي!
لكن الإعلام المحلي يحوّلها إلى فتح مبين وكأن التاريخ توقف عند هذه اللحظة!
هذه ليست مجرد دعاية، بل هي ما يسميه علماء النفس التعويض الوهمي: حين يعجز الفرد أو الجماعة عن تحقيق إنجاز حقيقي، يبدأ في تضخيم أي كلمة أو حادثة ثانوية ليجعلها “إثباتًا” على العظمة!
في حياتنا اليومية، نرى نفس المرض عند الأفراد: الموظف الفاشل يضع على صفحته صورة مع مديره وكأنها إنجاز، أو الشاب الذي يتباهى بأنه التقط صورة سريعة مع ممثل مشهور وكأنها شهادة اعتراف بوجوده!
وحين نرفع هذه النزعة الفردية إلى مستوى الشعوب، نرى الأمم المقهورة تبحث عن أي كلمة إعجاب من الآخر لتغطي بها جبال القمع والفشل والخراب التي تعيشها!
يا سادة، من يفتّش عن التصفيق كي يصدّق نفسه، لا يبحث عن الحقيقة بل عن مخدّر جديد لوهمه!
أو بطريقة أخرى: من لا يستطيع أن يعيش بفكرته إلا إذا حملها الآخرون على أكتافهم، فهو لا يملك فكرة بل عاهة نفسية!
فالاعتراف الخارجي لا يعوّض النقص الداخلي، بل يفضحه أكثر! لأن الحقيقة لا تُقاس بعدد المديح، بل بوزن الواقع الذي نعيشه!
الانتصارات المزيفة ليست مجرد أكاذيب، بل هي مسكنات نفسية لشعوبٍ لا تجرؤ على مواجهة الحقيقة!
الحقيقة أن الدين لا يحتاج إلى شهادات علماء وهميين ليكون صادقًا، والحاكم العظيم لا يحتاج إلى ممثل عالمي ليعطيه شرعية!
من يملك الحقيقة يفرضها بالفعل لا بالكلام، ومن يملك الإنجاز لا يحتاج أن يصرخ: انظروا، اعترفوا بي!
فالفعل وحده أبلغ من ألف شهادة!
من الناحية النفسية، هذه الظاهرة تنبع من عدة أسباب:
1. حاجة للتأكيد الخارجي: الفرد أو الجماعة التي لا ترى إنجازًا داخليًا ملموسًا، تبحث عن مصدر خارجي – دولة، منظمة، شخصية مرموقة – ليعطيها شرعية أو قيمة. كأنها تقول: حتى الآخرين يعترفون بي، إذاً أنا مهمّ! هذا تقوية للذات عبر صورة من الخارج!
2. التضخيم والوهم الجمعي: الإعلام غالبًا يسعى لتكبير الحدث البسيط، وتحويله إلى حدث أسطوري، لأن الخبر المُثير يحقق انتشارًا أكبر ويُغذي المشاعر!
الجمهور يتلقّى الخبر بحماس، فتصبح الصورة المشتركة مزيفة، لكن تُصير جزءًا من المعتقد العام!
3. المناعة النفسية ضد النقد: عندما يُبنى الزعيم أو المؤسسة أو الفكرة على هذا النوع من الانتصارات المزيفة، يصبح من الصعب جدًا أن تُصحّح الأمور أو يُعتَذر، لأن التراجع يعني خسارة كبيرة في الثقة والهيبة! فالأفضل – في نظر البعض – أن يُستمر بالكذبة بدل أن يُفقد المتتبّعون!
4. التأثير العاطفي وقصور التحليل: الناس غالبًا لا يفحصون المصادر، بل يصدّقون ما يشترك مع معتقداتهم أو ما يُشعرهم بالفخر. المشاهد التي تُظهر “عالم غربي اعترف”، أو زعيم استفز الآخرون فلا بد أن يكون قويًّا! تُلعب على العاطفة أكثر من العقل!
خلاصة ما أود قوله:
لا يُبنى الحقّ على الأكاذيب، ولو حبَّاها الجميلون!
الكرامة الحقيقية ليست من كلمات الآخرين، بل من الأفعال، من العدالة، من احترام الإنسان ومن الحقّ!
من يتغذّى على المجاملات الوهمية يكون في النهاية أعمى أمام الحقيقة، ويكرّر في أخطاء الماضي!
كل مجدٍ مزيف يُكتَب من ورقٍ رخيص ينتهي بالتمزّق عند أول ريح قوية!