اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات انحياز الألفة؛ تفسيرات علمية لعشق العرب للديكتاتورية!

انحياز الألفة؛ تفسيرات علمية لعشق العرب للديكتاتورية!

0
انحياز الألفة؛ تفسيرات علمية لعشق العرب للديكتاتورية!

في علم النفس، هناك ظاهرة لافتة تفسّر الكثير من خياراتنا اليومية، حتى من دون أن نشعر!
ننجذب غالبًا إلى الأشخاص، والأماكن، والأفكار، والأشياء التي تعرّضنا لها مرارًا من قبل!
هذا الميل يُعرف بـ “انحياز الألفة” أو ما يسمى في الأدبيات العلمية بـ Mere Exposure Effect!

بعبارة بسيطة: المألوف يُشعرنا بالأمان، والمجهول يثير قلقنا!

(ملاحظة: ظاهرة انحياز الألفة تنطوي تحت مظلة المفهوم العام للانحياز المعرفي)!

التعريف العلمي:
انحياز الألفة هو ميل الإنسان لتفضيل المحفّزات التي رآها أو اختبرها من قبل، حتى لو لم يملك أي دليل موضوعي على أنها أفضل من غيرها!
يعود أصل المصطلح إلى دراسات عالم النفس الاجتماعي روبرت زايونك (Robert Zajonc) في ستينيات القرن العشرين، الذي بيّن أن مجرّد التعرّض المتكرر لمثير ما يجعلنا نميل إليه أكثر!

الآليات النفسية!
هناك عدة تفسيرات لهذه الظاهرة:
1. الأمان العصبي: الدماغ يربط بين التكرار وانخفاض التهديد! كلما رأى شيئًا أكثر، قلّت استجابة “الخوف” تجاهه!
2. توفير الطاقة الذهنية: التعرّف على شيء مألوف يتطلب جهدًا معرفيًا أقل، فيفضّله الدماغ لأنه “أسهل في المعالجة”!
3. المكافأة الشعورية: المألوف يعطينا شعورًا بالراحة، أشبه بمكافأة داخلية غير واعية!

تطبيقات حياتية:
• الإعلانات التجارية: لهذا السبب تُكرر الشركات شعاراتها وصورها باستمرار، فالتكرار يجعل المستهلك يفضّل المنتج حتى دون سبب عقلاني!
• العلاقات الإنسانية: غالبًا نرتاح أكثر للأشخاص الذين نراهم باستمرار (زملاء العمل مثلًا)، فنطوّر مشاعر إيجابية تجاههم!
• الخيارات الثقافية والفنية: الإنسان قد يستمع لأغنية مرارًا حتى تُصبح مألوفة، ثم يبدأ يحبها رغم أنه لم يعجبه لحنها من البداية!

الجانب المزدوج:
رغم فوائده في خلق ارتباط وانجذاب طبيعي، إلا أن انحياز الألفة قد يقودنا أحيانًا إلى التمسك بما هو مألوف حتى لو كان مضرًا:
• البقاء في علاقة سامة فقط لأنها معتادة!
• تفضيل أنظمة سياسية أو اجتماعية قمعية لمجرد أنها “المعروف”!
• مقاومة التغيير خوفًا من المجهول!

الشعوب العربية والديكتاتورية: الوجه السياسي لانحياز الألفة!

هنا تظهر المأساة!
فالشعوب العربية، التي عاشت أجيالًا طويلة تحت الاستبداد، طوّرت علاقة نفسية مع المألوف الديكتاتوري!
الديكتاتور يصبح أشبه بقطعة أثاث قديمة في البيت، قبيحة، لكنها موجودة منذ زمن بعيد، فترسّخ شعورًا زائفًا بالأمان!
• الأمان العصبي: المواطن الذي وُلد في ظل القمع، تعلّم أن صوت الحاكم المرعب أو صورة الجنرال المعلّقة على الجدار لا تعني خطرًا مباشرًا، بل مجرد “طبيعة الحياة”! بينما فكرة التغيير أو الحرية تولّد داخله رعبًا من المجهول!
• توفير الطاقة الذهنية: التفكير في بدائل سياسية أو مستقبل مختلف يتطلب جهدًا معرفيًا ووجوديًّا ضخمًا! الأبسط نفسيًا أن يستمر تحت ما يعرفه!
• المكافأة الشعورية: حتى شعارات الطغاة وصورهم المكررة تتحول مع الوقت إلى ما يشبه الترانيم العصبية: كلما رآها المواطن شعر – بشكل لا واعٍ – بوجود “نظام واستقرار”، حتى لو كان هذا النظام يقتله ببطء!

ولهذا، ما إن يسقط طاغية بطريقة ما، تركض الشعوب العربية لجلب البديل الأشدّ ديكتاتورية!
والأغرب أن أغلب من كانوا بالأمس يصرخون ضد الاستبداد، هم أنفسهم من يقيمون المذابح الكلامية لتأليه المستبد الجديد!
هكذا تتحوّل جموع المعارضين إلى شبيحة جدد، يرفعون صور “المخلّص” الجديد بنفس الحماس الذي كسروا به صور “الساقط”!

إنها نفس الآلية النفسية: الألفة مع العصا!
لا يهم من يمسكها، المهم أن تبقى العصا مرفوعة، لأن الشعوب اعتادت أن ترى فوق رؤوسها سوطًا يجلدها، أكثر مما اعتادت أن ترى يدًا تصافحها!

الخلاصة!
إنها حلقة مريضة أشبه بلعنة أبدية: يسقط الطاغية فيصفّق الناس وكأنهم تحرّروا، ثم يكتشفون فراغًا مخيفًا لا يعرفون كيف يملؤونه، فيركضون نحو طاغية جديد أشدّ بطشًا ليملأ لهم خواءهم!
كأن الحرية في مخيّلتهم مجرد عطلة قصيرة بين نوبتين من العبودية!

وهذا يعني أنهم لا يثورون بحثًا عن كرامة، بل يثورون شوقًا لعبودية “من نوع آخر”!
تمامًا كما يغيّر المدمن تاجر المخدرات: يلعن الأول، ثم يقبّل يد الثاني لأنه “يعرف” أن السمّ باقٍ، وهذا وحده ما يطمئنه!

الطغيان عند العرب لم يعد نظام حكم، بل صار عادة نفسية، و”انحياز ألفة” متجذّر حتى العظم!
ولهذا، كل سقوطٍ ليس سوى بروفة لتحضير ديكتاتور أكثر لمعانًا، أكثر وحشية، وأكثر قدرة على خداعهم بجرعة جديدة من الأكاذيب!

انتبه؛
انحياز الألفة يذكرنا أن عقولنا ليست دائمًا عقلانية، وأن جزءًا كبيرًا من قراراتنا تحدّده الراحة النفسية التي يمنحها التكرار والمألوف!
إدراك هذه الآلية يساعدنا على أن نكون أكثر وعيًا باختياراتنا، وأن نميّز بين ما نفضّله لأنه جيد فعلًا، وبين ما نفضّله لأنه فقط… مألوف!