اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات حفريات في صناعة الجريمة المقدسة!

حفريات في صناعة الجريمة المقدسة!

0
حفريات في صناعة الجريمة المقدسة!

في ساحات الخراب العربي، لا تحتاج أن تبحث طويلًا عن الكذبة… هي التي تأتيك راكضة، متنكرة بثوب الحقيقة، وتبتسم لك ابتسامة القديس! 

يرفعون اسم الإله، لكنهم يخفونه في جيوبهم كعملة مزورة، يصرفونها على الفقراء حين يريدون ولاءهم، وعلى القتلة حين يريدون سيفهم! 

المشكلة ليست في وجود الإله أو عدمه، بل في السوق السوداء التي حوّلته إلى سلعة، حتى صار “الرب” أشبه بماركة تجارية، تتغير شعاراتها حسب الطاغية الذي يملك حق الامتياز!

الجماهير التي تبتلع الكذبة المقدسة لا تفعل ذلك لأنها غبية فقط، بل لأنها تخاف أن تجوع روحيًا! 

الجوع المادي يمكن احتماله، لكن الجوع للمعنى يقتل الإنسان قبل أن يموت جسده! 

حين يقدَّم لهم الإله كوجبة سريعة جاهزة، لا يهم إن كان فاسدًا أو مسمومًا… المهم أن يُسكت ذلك الفراغ الذي يصرخ داخلهم!

في علم النفس الجمعي، هذا يسمى “آلية الإشباع الرمزي”: أن يمدك القائد أو الشيخ أو الزعيم بحكاية تمنحك وهم القوة والانتماء، فتصبح مستعدًا لحماية هذه الحكاية كما لو كانت دمك ولحمك! 

هنا يفقد العقل سلطته، ويتحوّل الوعي إلى خادم مطيع للعاطفة، ويصبح الكذب دواءً يرفض المريض أن يتوقف عن تناوله، لأنه يخشى أعراض الانسحاب من الحقيقة!

الطغاة يعرفون هذه الحقيقة أكثر من أي عالم نفس! فهم يبرعون في تحويل الدين إلى قفص ذهبي، يُقنعون الناس أن البقاء فيه أمان، وأن الخروج منه موت محقق! 

وفي هذا القفص، تتشكل هوية الجماهير على مقاس السجان: هم مؤمنون كما يحدّد لهم الحاكم، أتقياء كما يرسم لهم رجل الدين، و”أحرار” ضمن حدود السلسلة التي تلتف على أعناقهم!

التاريخ العربي والإسلامي مليء بأمثلة فاضحة:

  • في العصر الأموي، لم يتردد الخلفاء في استخدام الدين كذريعة لتصفية المعارضين، حتى صار “الخروج على الحاكم” جريمة دينية قبل أن تكون سياسية!
  • في العصور المملوكية والعثمانية، كان الفقهاء الموالون للسلطان يصدرون فتاوى بالجملة لتبرير القمع والضرائب المجحفة، وكأن ظلم الحاكم قدر إلهي لا يُرد!
  • وفي القرن الحادي والعشرين، رأينا كيف تحوّلت شعارات الجهاد في العراق وسوريا إلى سوق نخاسة معاصرة، حيث تُباع النساء في المزادات باسم “الشريعة”، ويُقتل الأبرياء تحت رايات التكبير!

المأساة أن الجماهير لا ترى في هذه الجرائم خيانة للدين، بل تراها تطبيقًا له! ذلك أن الطغاة وتجار الدين نجحوا في دمج صورتهم الشخصية بصورة الإله، حتى صار نقدهم كفرًا، ومعارضتهم خروجًا على “الشرع”!

وحين تأتي لحظة الحقيقة، لا يقف هؤلاء في صف الضحية، بل يقفون مع الجلاد، لأن الجلاد يوزع عليهم حصصًا من الحلم الكاذب! 

هنا تتحول القداسة إلى سلاح دمار شامل، يقتل العقل أولًا، ثم يقتل الجسد باسم العقل، ويترك على أطلال الضحايا لافتة تقول: “باسم الإله فعلنا”!

 الإنسان كما قال نيتشه، كائن لا يحتمل الحقيقة العارية، لذلك يخترع أوهامه ويعطيها أسماء مقدسة! 

الإله هنا ليس دائمًا كائنًا ميتافيزيقيًا، بل قد يكون فكرة، زعيمًا، أو نصًا يرفض المرء أن يضعه تحت ضوء السؤال! 

كلما اتسع الفراغ في الداخل، زادت حاجة الإنسان إلى أوثان جديدة، ليس حبًا بها، بل هروبًا من مواجهة نفسه!

لكن الحقيقة القاسية هي أن الفراغ لا يملؤه إله مزيف، بل شجاعة مواجهة هذا الفراغ بلا أقنعة! 

وكل حضارة لا تجرؤ على نزع القناع، ستبقى أسيرة كذبتها، تُعيد إنتاج الطغاة جيلاً بعد جيل، وتُعلّق على مقاصل التاريخ نفس العبارة الباردة: “باسم الإله قتلنا… وباسمه سنقتل من بعدكم”!