
كثيرًا ما يكتبون لنا تعليقات من نوع: لماذا تسخرون من رموزنا؟! هذا ليس نقدًا يليق بمثقف! الباحث الحقيقي لا يكتب بهذه الطريقة!… إلى آخر هذا اللحن المكرر!
هم يظنون أننا نضحك خلف الشاشات ونحن نكتب! بينما الحقيقة أنني – شخصيًا – أكتب السخرية بكل جدية، سواء في “حكمة ساخرة” أو مقال كامل!
نعم، قد يضحك الناس من النص، لكنني أنا لم أضحك حين كتبته! فأنا أتعمد السخرية النقدية لأجل هدف واحد: هدم التقديس!
ولأني صاحب كتب وأبحاث في الكثير من المجالات، دعوني أشرح لماذا ألجأ للسخرية النقدية أيضًا:
هل جرّبت يومًا أن تكتب عشرين صفحة عن فساد رجل دين أو سياسة؟! ستغرق في التاريخ والهوامش والمراجع؛ وقارئك قد يتثاءب قبل أن يصل للسطر العاشر!
على الرغم من أننا نتكلم هنا عن “القارئ”!
فما بالكم بمن لا يقرأ أصلًا كتبًا ولا مقالات ولا أبحاثًا؟!
في المقابل، جملة ساخرة بسيطة واحدة مثل: “الشيخ الذي يملك أربع زوجات، يعطينا دروسًا عن فضيلة العفّة”!
قد تختصر كل المكتبات، وتصل حتى إلى غير القارئ، أي إلى الإنسان العادي، وهو أكثر فئة تحمل القداسة للرموز على كتفيها!
لماذا؟!
لأن السخرية لا تخاطب العقل وحده، بل تهزّ الحاجز النفسي الذي يحمي “المقدس”!
من منظور علم النفس، هذا الحاجز ليس عقلانيًا بل عاطفيًا، قائم على ما يُسمى “الآليات الدفاعية” التي يستخدمها الإنسان لحماية ما يؤمن به من الانهيار!
السخرية تتجاوز الدفاعات الواعية، وتذهب مباشرة إلى اللاوعي حيث يسكن الرمز!
فالرمز المقدس – سواء كان رجل دين على منبر أو زعيمًا يطل من شاشة – يعيش على الهالة!
قوته في الخوف الذي يزرعه فينا!
لكن حين نضحك عليه، حين يتحول من نبيٍّ معصوم إلى مهرّج بربطة عنق، تنهار سلطته في اللاوعي قبل أن تنهار في الواقع!
السياسي الذي يغرق الشوارع بصوره العملاقة يحتاج إلى دراسة سوسيولوجية مطوّلة لتكشف نرجسيته… أو ربما تكفي جملة ساخرة: “الزعيم الذي لا يكبر في عيون الناس، يكبر في لوحات الإعلانات”!
ورجل الدين الذي يقنع أتباعه أن الجوع “امتحان إلهي”، بينما بطنه يكاد يبتلع المعبد، قد تحتاج مجلدات لتفكيك خطابه… لكن سطر ساخر مثل: “بطون رجال الدين أكبر برهان على أن الله لا يرزق المساكين”! يغني عن آلاف الصفحات التي لا تقرأها تلك الفئة المستهدفة!
المفارقة أن السخرية تبدو “خفيفة”، لكنها في حقيقتها أكثر فتكًا من الجدية!
فهي لا تمنح القارئ فرصة الدفاع عن صنمه!
من منظور علم النفس الاجتماعي، الضحك يعمل كـ”إعادة تأطير” (reframing) تُفقد الرمز قدسيته في ذهن المتلقي!
عندما تهاجمه بالتحليل العميق يصرخ: كفر، خيانة، تدليس (لأنه لن يبحث بصحة مراجعك أصلًا)!
أما حين تضحك منه، يجد نفسه عالقًا بين خيارين: إما أن يضحك معك (وبذلك يهدم قداسة رمزه بيده)، أو أن يغضب فيبدو هو نفسه مادة للسخرية!
لهذا نكتب السخرية جنبًا إلى جنب مع النقد الأكاديمي والثقافي!
لأن التحليل قد يبقى حبيس النخبة، بينما السخرية تتسلل إلى المقاهي، إلى الشارع، إلى منصات التواصل، وتحوّل الزعيم أو الشيخ أو المثقف المزيّف إلى نكتة متداولة! وعندما يتحول “المقدس” إلى أضحوكة… تنتهي هيبته!
الضحك ليس ترفًا في هذه الحالة… هنا الضحك يصبح قنبلة!