اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات لماذا يمرّ الوقت بسرعة؟!

لماذا يمرّ الوقت بسرعة؟!

0
لماذا يمرّ الوقت بسرعة؟!

هل شعرت مؤخرًا أن الشهور تمضي كأنها أيام؟!

أن السنة التي بدأت قبل قليل، ها هي تلوّح مودّعة دون أن تمنحك حتى فرصة الفهم؟!

إنه السؤال الذي يطاردنا في صمت: لماذا يمرّ الوقت بهذه السرعة الجنونية؟!

سألتني إياه صديقة منذ فترة، جعلتني أبحث عن جواب أفهمه أنا قبل غيري!

ولست هنا لأقدّم لك عزيزي القارئ جوابًا علميًا باردًا أو تحليلًا زمنيًا من وجهة نظر الفيزياء!

بل سأتكلم كإنسان، من الداخل! 

من ذاك العمق الذي يشعر أننا لم نعد نعيش الزمن، بل نهرب منه!

الجواب ببساطة لأننا لم نعد نعيش اللحظة، بل نتجاوزها!

ففي الطفولة، كان الزمن يمشي على مهل! 

كل لحظة مشبعة بالاكتشاف، بالتجربة، بالدهشة! 

كان هناك “أول مرة” في كل شيء: أول دراجة، أول صديق، أول جرح، أول سماء تمطر على كتفيك…

وكان اليوم طويلًا كأنه حياة كاملة!

أما اليوم فكم يومًا مضى عليك دون أن تتذكر ماذا فعلت فيه؟!

لماذا؟!

لأن الروتين سرق تفاصيلنا، والأيام المتشابهة لا تصنع ذاكرة! 

وهكذا تمرّ السنوات، ولا يبقى منها سوى تواريخ في دفاتر الضرائب أو شهادات الإنجاز التي لا نشعر بها أصلًا!

ومن ثم لأننا في حالة نجاة لا حياة!

العالم يتهاوى: جائحة، حروب، تضخّم، انهيارات نفسية، وحدة مقنّعة، وعلاقات هشة تستهلكنا بدل أن تحمينا!

دخلنا جميعًا – دون أن نلاحظ – في وضع “النجاة”!

نعيش لا لنتذوّق، بل لنتجاوز! 

لا لنحيا، بل لنصمد!

وفي هذا الوضع، لا مكان للزمن، بل فقط للعدّ التنازلي حتى تمرّ العاصفة!

وهكذا تتحول اللحظات إلى ممرّات فارغة، ويجري العمر بسرعة لأنك لا تريده أن يتوقّف!

ولأن أعمارنا تغيّر طريقة إدراكنا للزمن!

حين كنتَ في الخامسة، كانت السنة تمثل 20٪ من عمرك!

أما الآن فهي 2٪ أو أقل…

وهكذا، نفس المدة الزمنية لم تعد تبدو بنفس “الثقل”، بل صارت خفيفة، باهتة، عابرة!

فالزمن لا يُقاس بالساعات، بل “بكثافة التجربة”، وحين تقلّ التجارب، يبدو الوقت أسرع من الضوء!

أيضًا لأن التقنية سرقت وعينا من أجسادنا!

أمسكت هاتفك لتتفقد إشعارًا، ثم ضعت في تيك توك وإنستغرام لساعة أو أكثر دون أن تنتبه؟!

مرّت تلك الساعة، لكن عقلك لم يسجلها!

لماذا؟!

لأنك لم تكن “حاضرًا” فيها!

الحياة الرقمية خلقت جيلًا غائبًا حاضرًا، جسده في المقعد، لكن وعيه في مكان آخر!

وهكذا تمرّ الأيام دون أن تُعاش، تُستهلك فقط!

لأن الألم النفسي يُربك إدراك الزمن!

حين تتراكم الهموم، والأحلام المؤجلة، والخيبات المتراكمة، والمخاوف التي لا تُقال، يتحول الزمن إلى فوضى!

العقل ينغلق على نفسه، يبحث عن النجاة لا التجربة!

فتمر السنوات كلها على هيئة عبارة واحدة: دعها تمر!

لكنها لم تمر، نحن الذين مررنا دون أن نعيش!

ما العمل؟! كيف نعيد الزمن إلينا؟!

لا أملك مفتاحًا سحريًا!

لكن هناك بعض الأبواب الصغيرة التي يمكننا فتحها:

• اصنع جديدًا كل أسبوع، ولو شيئًا بسيطًا، يعيد لك حسّ الدهشة!

• ارفض التكرار القاتل! لا تكن عبدًا لروتين لا يسألك عنك!

• عِشْ ببطء! جرّب أن تمشي دون وجهة، أن تنظر في السماء، أن تسمع أغنية حتى النهاية دون أن تقطعها بإشعار!

• سجّل لحظاتك! بالكتابة، بالصورة، بالتأمل، كي لا تمر الأيام بصمت مقبرة!

الزمن ليس عدوك، بل هو مرآتك!

فإن رأيته يعدو بسرعة، فتأكّد أنك لم تكن حاضرًا فيه!

لا تسألني لماذا يمرّ الوقت بسرعة!

بل اسأل نفسك: كم مرة وقفت لتعيشه؟!

كم مرة قلت: أنا هنا، في هذا اليوم، في هذا الشعور، في هذه اللحظة التي لن تتكرر!

الحياة ليست قصيرة…

لكننا غالبًا نغيب عنها، ثم نلومها لأنها لم تنتظرنا!