
الوطن لا ينهار حين تسقط جدرانه، بل حين يسقط الإنسان في داخله!
الأرض بلا إنسان تعود طبيعةً حرّة، أما الإنسان بلا وعي فمجرد جثة متحركة، تصرخ وتصفّق وتسبّح بحمد جلاديها!
عند الانهيار الأخلاقي، لا يخرج من بين الركام الفكري حكماء، بل حشرات!
يتكاثر المنجّمون الذين يبيعون الهواء الملوّث في قوارير لامعة، والمستثقفون الذين يحوّلون الثقافة إلى علكة تمضغها الشاشات، والطبّالون الذين يطرقون الطبول في عزّ الخراب، والعازفون على جراح الناس لا طربًا بل تجارة، كي يحصدوا أصوات الجماهير ويحوّلوها إلى شهرة رخيصة!
الجميع يتحوّل إلى بائع وهم، بينما الحقيقة تُساق عارية إلى سوق النخاسة!
الناس حين يخافون، يعودون قطيعًا!
يلوذون بالقبيلة كما يلوذ الحيوان بالرائحة، ويعضّون على الطائفة كما يعضّ الغريق على خشبة!
يصبح الوطن مزحة ثقيلة، والانتماء له ضربًا من الجنون، بينما الانتماء لخراب الدم أسهل وأبقى!
نصيحتي لا تبحث عن الصديق في زمن السقوط، فهو إما عدو متخفٍ، أو خائف يبيعك بثمن بخس!
ولا تنتظر من العدو أن يبقى عدوًا، فقد يتحوّل إلى وصيّ على موتك!
العاقل منفيّ، صوته محاصر، ووجهه غريب، أما الأحمق فيُصنع له عرش من الوحل!
المنصات تتحوّل إلى مسارح للكلاب النابحة، من يزايد أكثر على الوطنية، ومن يصرخ أكثر باسم الله، ومن يرقص أكثر على دماء الجماهير!
تُباع العقيدة كسلعة رخيصة، وتُشترى الخيانة كأصلٍ مضمون!
والكل، من السلطان إلى الشحاذ، يحزم حقيبته سرًّا، وكأن الوطن كله لم يكن إلا قاعة انتظار في مطارٍ بلا طائرات!
البيوت تُمحى، الذكريات تتحوّل إلى أساطير مشوهة، الأحلام تُدفن في مقابر جماعية!
الخراب ليس أن نغادر الوطن، بل أن يغادرنا الإنسان!
يا سادة، حين يغدو الصوت الحقيقي مجرّد صدى يتلاشى بين الطبول، وحين تتشابه الوجوه فلا يميَّز الحكيم من المهرّج، يصبح الابتعاد طريقًا آخر للفعل!
عندها لا يعود من جدوى في مواجهة العاصفة بالعظام الهشّة؛
يكفي أن يترك المرء الركام يتكلم وحده، فالزمن كفيل بأن يفضح كل الراقصين فوقه!