
ما كان لابن خلدون أن يتخيّل، وهو يكتب عن انهيار الدول بأيدي السفهاء وأبناء الموالي، أن يأتي زمن تُسلَّم فيه سوريا، بكل ما فيها من وجع وخراب، لعصابة تُدعى “هيئة تحرير الشام”!
نعم، تسلّق السفلة إلى الحكم من جديد… لكن هذه المرة بلحى كثّة، وأسماء سلفية، ومشاريع دموية يباركها “ولي أمر” يقيم في أنقرة أو الدوحة أو واشنطن، لا فرق!
الجولاني، هذا التلميذ الرديء في مدرسة قريش، لم يحتاج أكثر من راية سوداء، وبضع كلمات عن “الشريعة” و”الخلافة”، ليُنصَّب زعيمًا على ما تبقى من خراب البلاد!
لكن مهلاً، أي شريعة هذه التي تبدأ بذبح المختلف، وتنتهي ببيع المعابر والأتاوات وسرقة قوت النازحين؟!
ابن خلدون نبّه منذ قرون:
“إذا تولّى الحكم من لا أصل له ولا شرف في أخلاقه ولا حكمة في عقله، سعى لإذلال من يعلوه قيمةً، حتى لو خرّب الدولة كلها!”
وهذا تمامًا ما نراه في مشروع الجولاني، وفي جوقة “العَوّ” الجدد الذين يصنعون لأنفسهم شرفًا وهميًا على جثث السوريين، ويصرخون بـ”الثورة” وهم عبيد عند آخر ضابط تركي أو ممول قطري!
الجولاني ليس ظاهرة عابرة، بل هو التجلي المعاصر لبني أمية:
– نفس الهوس بالسيطرة باسم الدين!
– نفس الدماء التي تُراق في سبيل “الخلافة”!
– ونفس الحقد الطبقي والطائفي على كل من لا ينتمي لقبيلتهم العقائدية!
هؤلاء لا يحملون مشروع وطن، بل مشروع ثأر مؤجل منذ صفين وكربلاء!
ولا يحكمون بأخلاق الدولة، بل بعقدة البدوي الذي وصل متأخرًا إلى المدينة، فظن أن الخراب عنوان الحضارة!
طرابلس تحبّهم، إدلب بايعتهم، والشارع السني الساذج، في معظمه، صفّق لهم تحت وهم “النصرة لأهل السنة”!
لكن الحقيقة أن هؤلاء لم ينصروا أحدًا، بل أعادوا تمثيل جريمة بني أمية ضد العقل والعدالة والهوية، ولكن بلغة معاصرة، وشعارات ثورية كاذبة!
فلا تستغرب إن رأيت الشرفاء يُذبحون، والمعتدلين يُخوَّنون، والناس تركع لإمامٍ جديد في جامعٍ خالٍ من أي قداسة… لأن القداسة اليوم تُصنع بالمال والسلاح والذقون!
نعم، هذا زمن أبناء السفلة…
صعدوا من بين ركام الحرب، وتسلّقوا على أكتاف المهجّرين، واحتلوا الساحات التي فَرغت من العقلاء!
وهكذا، تُذبح سوريا من الداخل على يد وريث “معاوية” الجديد، الذي فتح السجون، وملأ القبور، وزيّن الموت بكلمات الله!
فلا تسأل من أين يأتي الخراب…
الخراب له أسماء: الجولاني، العوّ، بنو أمية الجدد،
وله وجوه: ملتحية، منتقمة، ومهووسة بإذلال الشرفاء!