اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات الله بين القطيع والسلطة: من يصنع من؟!

الله بين القطيع والسلطة: من يصنع من؟!

0
الله بين القطيع والسلطة: من يصنع من؟!

(من سوريا إلى تركيا، مصر، السودان، وإيران)…

كل جماعة تبحث عن إله يشبهها، وكل طاغية يبحث عن إله يبرّره!

وحين يتحوّل الله إلى شعار سياسي، يتحوّل الناس إلى عبيد!

القطيع حين يُطالب بالحكم… لا بالحرية!

لا يمكن فهم البنية العميقة للانقسام السوري دون تفكيك العلاقة المعقّدة بين الدين، والهوية، والسلطة!

لطالما تصرّفت الأغلبية السنية في سوريا ـ لا كحاضنة لمشروع وطني مدني جامع ـ بل كمجموعة تحمل في لاوعيها حلمًا مؤجلاً: استعادة الخلافة الإسلامية!

هذا الحلم لم يمت بانهيار السلطنة العثمانية، بل أعاد إنتاج نفسه داخل كل لحظة اضطراب سياسي، على هيئة اشتياقٍ لخلافة جديدة، لا على هيئة دولة حديثة!

منذ بدايات الانتداب الفرنسي، لم يكن الصراع حول “الاستقلال” فقط، بل حول شكل الدولة بعده!

رفضٌ دائمٌ لأي مسار علماني، وريبةٌ مستمرة من مفهوم “الدولة المدنية”، حتى حين كانت النخب المسيحية أو العلوية أو الكردية تدافع عنها… كانت النخب السنية الدينية تراه مشروعًا لتقويض الذات الجماعية!

وهذا ما يفسّر لماذا ظلّت العلمانية تُصوّر كـ”تهمة”، لا كمشروع سياسي، رغم أن مركز الخلافة السابق (تركيا) قرّر اعتمادها رسميًا مع أتاتورك!

في الستينات، ظهرت النزعة الدينية السياسية إلى السطح بشكل أكثر عنفًا!

حين لجأ الإسلاميون إلى الجوامع ليس كمكان عبادة، بل كمركز تعبئة، تفجّرت أولى المحاولات لفرض الشريعة كأمر واقع!

الأحداث الإخوانية في حماة عام 64 لم تكن صراعًا مع سلطة قمعية، بل محاولة لخلق واقع ديني داخل مدينة كاملة!

مفارقة التاريخ أن الذي قمعهم لم يكن “الآخر الطائفي”، بل المحافظ السنّي آنذاك عبد الحليم خدام!

وحين تكرّر السيناريو في الجامع الأموي بدمشق، لم يُنقَذ مركز الدولة باسم القانون، بل بالدبابات التي قادها الضابط الدرزي سليم حاطوم!

هكذا تكشّفت الخريطة بوضوح:

لا صراع بين “شعب وسلطة”، بل بين مشروعين…

واحد ديني يحلم بالسماء كمرجعية حكم، وآخر قلق، متشظٍ، لكنه يحاول تأسيس الدولة على الأرض!

والمفارقة الأخطر أن القوّة كانت، في كل مرة، هي الأداة الوحيدة لضبط هذا التمرّد العقائدي!

فحين لا تؤمن الأغلبية إلا بالسماء حاكمًا، لا يبقى أمام الدولة سوى أن تحكمهم بالقوة الأرضية!

الدين حين يتحوّل إلى أداة قطيع!

ليس هناك “الله” واحد في الوعي الجمعي؛ هناك آلهة متعددة بعدد الطوائف!

وكل جماعة تتبنّى إلهها الخاص، تُفصّله على مقاس مخاوفها وشهواتها، ثم تُلبسه زِيّ المخلّص!

لكنّ ما يجمع تلك الآلهة المختلفة، هو شيءٌ واحد: كلها تعمل تحت إمرة القطيع! 

حين يتحوّل الإله من سؤال وجودي إلى شعار حزبي أو بندقية طائفية، لا يبقى من “الربّ” إلا صوته الغاضب، المُستعجَل للحرق، والعقاب، والتمييز!

وتصبح الطاعة، لا التأمل، هي جوهر العلاقة بين الإنسان و”المقدّس”!

هكذا يُخلق الوحش، وهكذا يتم تبريره!

السلطة ليست فقط من صنعت هذا الإله… بل وجدت فيه “القطيع” المثالي!

وما أحوج الطغاة إلى قطعان تخاف أكثر مما تفكّر، وتُطيع أكثر مما تُشكّك!

سوريا: الهوية كقيد… لا كتحرر!

في مجتمعاتٍ تتكلم الله أكثر مما تُمارس الإنسانية، تصبح الهويّة قفصًا، والدين سوطًا، والقطيع هو الحاكم الفعليّ وإن لم يجلس على العرش!

الإسلام السياسي في سوريا لم يكن مجرّد حركة تمرّد على استبداد السلطة، بل كان استعادة لمشروع الحكم باسم الله، لا باسم الإنسان!

فبين عمامة تُحرّض من منبر، وبندقية تُطلق من جامع، وفتوى تُجيّش الشارع ضد المختلف، تتحوّل الهويّة السنيّة إلى مشروع احتكار لا تحرير، وإلى أداة إقصاء لا شراكة!

لم يُصنَع الإسلام السياسي ليحرّر أحدًا، بل ليُعيد صياغة القفص… بلون آخر، وسوط آخر، ونصوص قد تبدو سماوية، لكنها تعمل وفق منطق الغابة!

وهنا يكمن السؤال الأخطر:

هل فعلاً يُخيفُ هذا “الإله” السياسيّ الطغاة؟ أم أنه يخيف الشعوب فقط؟!

الجواب واضح في تجربة سوريا، كما في إيران، كما في تركيا، كما في السودان:

كلّما اقتربَ الحاكم من الله، ابتعدَ أكثر عن الناس!

ولأن السلطة تهوى الاستقرار، فقد أحبّت “الإله”، لكن بشرط:

أن يبقى قابعًا في السماء، بينما يتحدث باسمه رجالٌ في الأرض…

رجال لا يؤمنون بالله حقًا، بل يؤمنون فقط بالخوف منه كوسيلة للسيطرة!

من سوريا إلى العالم الإسلامي: القطيع يتناسخ!

لم تكن سوريا استثناءً!

من تركيا إلى مصر، من السودان إلى إيران، تُظهر كل تجربة أن الإسلام السياسي، مهما اختلفت طائفته أو شعاراته، ليس مشروع تحرر، بل استنساخٌ للقطيع!

تركيا – أردوغان والخلافة المموهة بالديمقراطية!

في تركيا، لم تكن تجربة حزب العدالة والتنمية مجرّد مشروع سياسي!

لقد كانت محاولة للثأر من العلمانية التي أرسى قواعدها أتاتورك، ولإعادة تغليف القومية التركية بثوب إسلامي!

أردوغان لم يُخفِ حلمه بالخلافة… لكنه قدّمه بلغة معاصرة، كأنه يقول: “أنا الخليفة، لكن بنظام برلماني”!

– تفكيك ممنهج لاستقلال القضاء!

– قمع الصحفيين، والزجّ بآلاف المعارضين في السجون!

– تحويل البرلمان إلى أداة طيّعة، ورئيس الجمهورية إلى سلطان!

كل ذلك باسم الله، والديمقراطية، والوطن!

لكن الحقيقة أنه لم يصعد باسم الناس، بل فوقهم!

وحين تكلّمت أصوات العقل عن الحرية والعَلمانية، تم اتهامهم بـ”الإساءة للإسلام”!

كأنّ الإسلام لا يُمسّ إلا حين يُعارَض السلطان!

مصر – الإخوان وصندوق الانتخابات المسموم!

في مصر، كان المشهد أكثر فجاجة، لأن قشرة التحديث كانت أضعف، والتديّن الشعبوي أكثر تغلغلًا!

صعد الإخوان المسلمون إلى الحكم بصندوقٍ ديمقراطي، لكنهم ما إن وطئت أقدامهم القصر، حتى بدأت خطابات “التمكين”، وظهرت ملامح مشروع دولة دينية خالصة!

مرسي لم يكن رئيسًا لكل المصريين، بل مجرد واجهة لحلمٍ عقائدي عابر للدولة!

خطابه في استاد القاهرة لم يكن خطاب رئيس دولة، بل بيعة خليفة على أرضٍ تنتظر الفتح!

وحين خرج المصريون رفضًا لمشروع الأخونة، لم يرَ فيهم الإخوان سوى “كفارًا بالديمقراطية”، مع أن الديمقراطية ليست مسجدًا، ولا تصلي خمس مرات في اليوم، بل تنتفض عندما تُختطف من قبل حزبٍ إلهي!

السودان – ثورة أُجهضت بتحالف العسكر والمُعمّمين!

في السودان، لم يكن المشروع الإسلاموي بعيدًا عن دهاليز الحكم!

بل كان جزءًا من التركيبة العميقة للنظام، حتى بعد سقوط البشير!

الثورة أرادت إسقاط الإسلام السياسي، لكن العسكر سرعان ما تواطؤوا مع الرموز الدينية لإعادة تأهيله!

الدين هناك لم يكن وسيلة وعي، بل سلاحًا لتفكيك المجتمع، وتحويله إلى مربعات طائفية هشّة يسهل التحكم بها!

وهكذا، لا تُبنى الدولة، بل يُعاد تدوير القطيع!

إيران – ولاية الفقيه: حين يُسجَن الشعب باسم الرب!

إيران هي النسخة الشيعية من الكابوس السنّي!

بدأت بثورةٍ وعدت بالتحرر من الشاه، فانتهت إلى سلطة رجال الدين!

الحجاب مفروض، الفكر مراقب، المعارض مسجون، والمرأة جسدٌ خاضع لـ”فتوى” لا لقانون!

ولي الفقيه ليس مجرد مرجع ديني، بل حاكم مطلق!

وفي ظله، لا مكان للاختلاف، ولا قيمة للإنسان، بل فقط:

إيمانك بالنظام هو إيمانك بالله… وكل مَن يخرج، فهو مرتدّ يستحق القمع!

في الختام:

الخلافة كذبة، والدين حين يُسخَّر للسلطة يصبح لعنة!

من سوريا إلى إيران، ومن تركيا إلى السودان ومصر، تتكرّر الحكاية:

– خطاب ديني يُلبس نفسه ثياب التحرر، لكنه لا يُنتج إلا العبودية!

– مشروع وهمي يُرهبك بـ”الله” كي يُخضعك للحاكم!

– قطيعٌ يُبرِّر جلاده باسم النص!

ما لم يُفكَّك هذا الثالوث المسموم:

الله، القطيع، والسلطة…

لن تُبنى دولة، ولن تُصان حرية، ولن نُشفى من مرض الطاعة المقدّسة!