
حين يُصبح الجلاد منقذًا!
كم مرة رأيت شعوبًا تدافع عن من يسحقها؟!
كم مرة شعرت بالذهول وأنت تراقب جماهير تُمجّد حاكمًا ديكتاتوريًا، وكأنه نبيٌّ أُنزل عليهم رحمةً؟!
هل هو الجهل؟! أم أن هناك شيئًا أعمق وأخطر؟!
لا أحد يُقدّس الجلاد إلا حين يعجز عن مواجهة خوفه منه!
ما أرغب في طرحه، هو السؤال المخيف:
هل يطيع الناس حكّامهم القساة لأنهم أغبياء، أم لأنهم خائفون؟!
لا أحد يريد الحقيقة، بل الطمأنينة!
علم النفس، منذ فرويد، كشف أن الإنسان لا يسعى دومًا إلى الحقيقة، بل إلى الاتزان النفسي!
الحقائق مؤلمة، مربكة، تتطلب شجاعة ومسؤولية!
أما الأكاذيب، فهي مُسكِّن نفسي!
لذلك، حين يعيش الإنسان في ظل قمع مستمر، يبدأ عقله – دون وعي – في تشكيل آليات دفاع نفسي تُساعده على البقاء، منها:
• الإنكار: ما في قمع… نحن بخير!
• التبرير: النظام قاسٍ لأنه يحفظ الأمن!
• الاستدماج: الرئيس مثل الأب، ونحن أبناؤه!
الطاعة في المجتمعات القمعية ليست طبعًا… بل خوفٌ متنكرٌ في هيئة اقتناع!
ماركس كان على حق؛ ولكن بشكل أعمق مما ظن!
ماركس قال إن الإنسان قد يتبنّى أفكارًا تخدم من يضطهده بسبب الأيديولوجيا، لكن ما لم يقله هو أن هذه الأيديولوجيا تتغذّى من داخل النفس، من الحاجة لتصديق كذبة تُريح، لا حقيقة تُوجع!
الوعي الزائف لا يُزرع فقط من الخارج… بل يُروى من الداخل بالذنب والخوف والبحث عن معنى!
التماهي مع الجلاد: خدعة نفسية للبقاء!
في عدد من الحالات العلاجية التي عملتُ عليها، كان الضحايا يُدافعون عن من أساء إليهم!
لم يكن ذلك عن ضعف فقط، بل لأن العقل لا يحتمل فكرة أن “مَن أثق به يؤذيني!”
فيُعيد تشكيل العلاقة كي تبقى مقبولة نفسيًا.
وهذا ما تفعله الشعوب مع جلّادها أيضًا!
حين لا تقدر على الثورة… تُقنع نفسك أن من يضربك إنما يربّيك!
الدين كقناع للطغيان!
النظام لا ينجح إلا إذا جعل الناس يؤمنون بأنه مقدّس، وله في ذلك أدواته:
خطاب ديني يُعلي من شأن الطاعة، يربط العصيان بالكفر، ويقدّم “ولي الأمر” كظلّ الله في الأرض!
كل طاغية يحتاج إلى فتوى، أكثر مما يحتاج إلى جيش!
حين تصبح الحرية مرعبة!
كتب إريك فروم: “الحرية عبء على من لم يتعلم تحمّل ذاته!”
فمن لم يعتد أن يفكّر وحده، أو يختار مصيره، سيهرب إلى حضن أي سلطة تُعفيه من مسؤولية وجوده!
الحرية ليست مطلبًا شعبيًا دائمًا… أحيانًا تُرعب الناس أكثر من القمع!
الأمثال الشعبية: حين تتحدث الضحية بلسان الجلاد
• “أحسن من غيره…”
• “خوفنا منه هو اللي مخلينا عايشين!”
• “بدنا مين يضرب العصا!”
هذه ليست حِكمًا… بل برمجة نفسية تجعل القهر مقبولًا ومحبوبًا!
حين تُصبح الحكمة الشعبية مرآة للخوف… فلا تنتظر ثورة!
الوعي لا يكفي إن بقي الجسد مرتجفًا!
قد يكون الإنسان “مثقفًا”، لكنه مرعوب نفسيًا من كسر الطوق!
يكتب عن الحرية… ويخشى أن يعيشها!
ينتقد السلطة… ويتمنى رضاها سرًّا!
لهذا، فالتحرر لا يبدأ بالمعرفة فقط، بل بتفكيك الخوف اللاواعي!
لا حرية خارجية دون ثورة داخلية تُطيح بطاغية الخوف!
الخلاصة:
• ليست الطاعة دائمًا جهلًا… بل كثيرًا ما تكون وسيلة بقاء نفسي!
• الأيديولوجيا ليست فقط ما يُقال للناس… بل ما يُريد الناس تصديقه كي لا ينهاروا!
• الجلاد لا ينتصر إلا حين يتطوّع الضحية في خدمته!
عندما يتحوّل القيد إلى طمأنينة… يصبح الجلاد رمزًا، والمحرر خطرًا!
للمزيد والتوسّع:
• فرويد، سيغموند – الموانع والأعراض والقلق.
• فستنجر، ليون – نظرية التنافر المعرفي.
• فروم، إريك – الهروب من الحرية.
• لوكاتش، جورج – الوعي الطبقي والتاريخ.
• جيجيك، سلافوي – العنف: تأملات جانبية.