
جميع البلدان التي ترفع شعار “العرب أوطاني”، هي ذاتها التي تمتلك ما يُسمّى بـ”وزارة ثقافة”!
ولعلها من أكثر الوزارات تكرارًا في جمهوريات الخراب، لكنها أيضًا من أكثرها عقمًا… لا تنجب فكرة، ولا تحمي كاتبًا، ولا تنتج إلا بيانات الشجب ومهرجانات الردح!
وزارة ثقافة؟
لمن؟
ولماذا؟
وفي أي بيئة؟!
كيف لدولةٍ لا تعترف بحرية التفكير، أن تؤسس “وزارة ثقافة”؟!
كيف لنظامٍ يعتقل شاعرًا بسبب بيت شعر، ويطرد باحثًا لأنه سأل، أن يتباهى بمنشورات تُطبع على نفقة الوزارة؟!
وهل يحتاج العقل الحي إلى إذن رسمي ليعمل؟!
ما يسمونه “ثقافة” في هذه البلاد، ليس إلا طقسًا دينيًا مموّهًا:
أحاديث نبوية تُقدَّم كأدب،
وأشعار مديح تُباع على أنها فكر،
ومعارض كتب تحت وصاية المخابرات،
ومنابر لا يُدعى إليها إلا من يُجيد السجود لغبار الزعيم!
إنها ثقافة موت… بكل ما تحمله الكلمة من خنوع!
ثقافة تعيد تدوير الجثة الحضارية وتسمّيها “تراثًا”،
تقدّم حكايات الغزو والتكفير بوصفها “أمجادًا”،
وتعتبر الفيلسوف زنديقًا ما لم يبدأ مقدمته بآية ويختمها بدعاء!
الثقافة، أيها السادة، لا تحتاج إلى وزارة…
الثقافة الحقيقية تُقلق الدولة، لا تخدمها!
تسأل، وتفكّك، وتخدش، لا تبارك، ولا تصلي، ولا تروّج “وحدة الأمة”!
لكن في بلادٍ لم تتصالح مع الحياة،
لا مكان لثقافة تسأل “لماذا نموت؟”،
بل فقط ثقافة تمجّد القبر، وتمسح الغبار عن رفاة الماضي، وتجعل من التاريخ دينًا، ومن الدين حزبًا، ومن الحزب معبدًا!
فلتُلغَ وزارات الثقافة…
أو فليُعاد تسميتها:
“وزارة الحفاظ على الجهل المقدّس”!
فلا ثقافة تُدار بمرسوم، ولا فكر يُنجز بتمويل مشروط، ولا إبداع يولد في مؤسسات تعلّق صورة الطاغية فوق رأس الشاعر!
الثقافة الوحيدة المعترف بها في هذه البلدان المريضة…
هي ثقافة لا تجرؤ على اقتراح حياة!
ثقافة الموت…
ثقافة لا تحتاج إلى وزارة، بل إلى معبد ديني فقط!