
هل تساءلت يومًا لماذا يولد بعض الأطفال وهم يحملون قلقًا لم يعيشوه؟!
ولماذا تبدو شعوبٌ كاملة وكأنها خُلقت لتخاف، أو تصمت، أو تُطيع؟!
في سوريا، لا تحتاج إلى آلة زمن لتفهم ذلك… يكفي أن تفتح جمجمة أي مواطن، وستشمّ فيها رائحة الخوف المؤبّد!
إنها ليست مجازًا أدبيًا… بل حقيقة بيولوجية صادمة!
فالخوف في سوريا ليس مجرد إحساس طارئ… بل هو برنامج جيني، يتنقّل بين الأجيال كما يتنقّل لون العين أو شكل الأنف!
حين تكون الصدمة قانونًا… لا حدثًا!
في هذا البلد المنكوب، لم تكن الصدمة حدثًا مرّ يومًا وذهب… بل كانت ولا تزال نظام حكم!
من حافظ الأسد إلى بشار، ومنهما إلى الجولاني… تغيّر شكل الجلاد، لكن ساحة التعذيب بقيت كما هي!
• طاغية متبدّل يراقب أنفاسك!
• مخبرٌ يجلس في قلب العائلة أو الجامع أو مقر “المجاهدين”!
• شعار “بالروح بالدم” يُلقّن للأطفال قبل أن يعرفوا ما هي الروح، أو لمن يُمنح الدم!
نحن لا نتحدث هنا عن مناخ سياسي… بل عن تجربة نفس-بيولوجية معمّقة!
فحين يعيش جيلٌ كامل في بيئة قمعية، لا تُشكّل فقط نفسيته… بل تُعيد برمجة الطريقة التي تقرأ بها خلاياه معنى الحياة!
الصدمة تُبرمج الجينات… والجلاد يُولَد من رحم الضحية!
أظهرت دراسات رائدة مثل تلك التي أجرتها Yehuda على أطفال الهولوكوست، وNestler على ضحايا الحرب، أن الضغط المزمن الناتج عن الصدمة الجماعية يترك بصمات فوق-وراثية (Epigenetic Marks) تُورّث عبر الأجيال!
• ارتفاع دائم في هرمونات التوتر (كورتيزول، أدرينالين)
• خلل في محور الاستجابة للتوتر (HPA Axis)
• تغيّرات في جينات الخوف مثل FKBP5
• اضطراب مستقبلات الدوبامين والسيروتونين، مما يهيئ للإصابة بالقلق، الاكتئاب، واللامبالاة!
الخوف هنا ليس شعورًا… بل بصمة بيولوجية!
من حافظ إلى بشار إلى الجولاني: كيف صارت الوراثة خيانةً لذاتها؟!
الطفل الذي وُلد في تسعينيات سوريا، لم يكن يعلم ما هي “حماة” ولا ماذا حدث فيها…
لكن جسده عرف! سمع صمت أهله، قرأ نظرات القلق، وابتلع جُمَلًا من نوع:
“اخفض صوتك” – “لا تتكلم في السياسة” – “الحيطان لها آذان!”
ما لم يُحكَ له، قرأه جسده!
الصدمة التي لم تُعالج، تحوّلت إلى نظام عصبي مشفّر على الاستنفار، لا الراحة… على النجاة، لا الحياة!
ثم جاءت الثورة… وتحوّلت إلى غزوة!
ثم جاء “التحرير” بالسكاكين، لا بالأمل!
بعد أن كانت “الممانعة” تبرر البراميل، و”الثورة” تبرر الذبح الطائفي!
وهكذا، استيقظت جينات الكراهية التي كانت نائمة… وصار الضحية جلادًا دون أن يشعر!
الساحل السوري: ذاكرة الانتقام على شكل جينات!
حين انهار النظام السابق، لم يأتِ النور… بل أتى الثأر!
من إدلب إلى الساحل، طفت المجازر على السطح، لا لأن الناس شياطين… بل لأن الجينات المتورّثة كانت لا تزال تقرأ العالم بمنطق “اقتل أو تُقتل”!
طفل علوي يُقتل لأنه من اللاذقية…
وآخر سنّي يُعلّق على عمود لأنه من “كفرتخاريم”!
هل هذه ثورة؟! أم إعادة إنتاج للجلاد تحت اسم مختلف؟!
ما فعله الجولاني إلا نسخة معدّلة من حافظ وبشار، لكن بلحية وراية سوداء!
الوراثة الصامتة للجلاد!
نظام الأسد صنع مواطنًا مكسورًا…
أما “الثورة غير الواعية” فحوّلت هذا المواطن ذاته إلى جلادٍ جديد!
لم يأتِ الجولاني من كوكب آخر…
بل جاء من هذه الأرض، من هذه الثقافة التي تُقدّس الزعيم، وتُبرمج الطفل على “أهتف كي أعيش”!
حين لا يُعالج الضحية… يُصبح قاتلًا!
لكن هذه المرة، لا باسم الوطن… بل باسم الله، أو الطائفة، أو “الثأر المقدّس”!
هل يمكن كسر هذه الشيفرة الجينية؟!
نعم… لكن ليس عبر المواعظ أو صناديق الانتخابات!
بل عبر معركة وعي جذرية، تبدأ من إعادة تسمية الأشياء:
• ما جرى في الساحل: مجازر، لا “ردات فعل”!
• ما فعله النظام: إبادة، لا “حرب على الإرهاب”!
• ما فعله أغلب “الثوار”: فاشية جديدة، لا “تصفية العملاء”!
علاج الجرح يبدأ بكشفه… لا بتغطيته بشعارات!
إعادة برمجة ما خرّبه القمع:
• مساحات آمنة للسرد والتفريغ: لا يمكن الشفاء من الصدمة دون كلامٍ حقيقي يرويها كما هي!
• علاج نفسي فردي وجماعي: لأن الجرح بيولوجي… والدواء لا يمكن أن يكون خطبة أو بيانًا سياسيًا!
• تفكيك خطاب الطغيان بكل أشكاله: من تمجيد حافظ إلى تقديس الجولاني!
• إعادة تعريف البطولة: فالناجي ليس من حمل السلاح… بل من لم يتحوّل إلى جلاد رغم كل شيء!
في الختام: سوريا ليست فقط بلدًا محطّمًا… بل شفرة جينية تالفة!
• جسدٌ مبرمج على الطاعة!
• عقلٌ مشبع بالإنكار!
• جيناتٌ تقرأ الحياة كمعسكرين: قاتل أو مقتول!
إذا أردنا إنقاذ سوريا، فلا يكفي سقوط النظام!
بل يجب إسقاط البرمجة التي جعلت من الخوف دينًا، ومن الألم هوية، ومن الطغيان شكلًا من أشكال “الخلاص”!
ما لم نفكّ هذه الشيفرة… سنظل نُعيد إنتاج نفس الوحش، بأسماء وشعارات مختلفة!
الحرية لا تأتي من ثورة جينية… بل من ثورة في الجينات!