اخلع موروثاتك وادخل؛
فهنا لا قداسة إلا للعقل الحر!

الصفحة الرئيسية مقالات لم ينهشنا الكلب؛ لكننا انقسمنا!

لم ينهشنا الكلب؛ لكننا انقسمنا!

0
لم ينهشنا الكلب؛ لكننا انقسمنا!


شاهدتُ منذ قليل مقطعًا لكلبين مدرّبين، يقومان بعزل البط الأسود عن الأبيض، دون عضّة واحدة، دون صراخ، دون نقطة دم!

لا سكاكين، لا سجون، لا محاكم ردّة وتفتيش! فقط نظرات، إيماءات، تحرّكات محسوبة بعناية… فينقسم القطيع مطيعًا، وكأن العزل قرارهم، لا قرار الكلاب!

الكلبان لا يمسّان أحدًا… لكن الجميع يطيع!

الكلاب لا تنبح حتى… ومع ذلك يُنفّذ الأمر!

والبط يبدو سعيدًا بانحيازه، وكأنه يقول: “أنا أسود… إذًا مكاني هناك!” أو: “أنا أبيض… إذًا لست منكم!”

مشهد بريء؟!

 لا!

إنه استعارة دامغة لما نفعله كبشر، حين نخضع لانحيازات لا نعرف من صنعها، ونقبل أن نُعزل عن بعضنا دون مقاومة، فقط لأن “الكلب المدرب” لمّح لنا بذلك!

كلب لا ينهش… لكنه يتحكم!

بط لا يُعذّب… لكنه ينصاع بلا مقاومة!

لونٌ يُفصل عن لون… بلا كلمة ولا قانون!

هل يذكّرك هذا بشيء؟!

نعم… ببعض المجتمعات البشرية التي تُقاد بنفس الطريقة:

خوف غير مُبرّر!

سلطة غير مُباشرة!

وتمييز صامت لا يترك أثرًا… لكنه يُنتج واقعًا عنصريًا دقيقًا!

لا عضّ… لا عنف… فقط توجيه ناعم!

في علم النفس، نسميها السلطة الناعمة (Soft Power)! وفي علوم الحيوان، يسمونها ضغط الحافة — أن يقترب المفترس بما يكفي لإثارة الغريزة… دون أن يهاجم!

أما في السياسة والمجتمع، فهي تُعرف بـ التحكم الخفي بالسلوك الجمعي!

كلب يلوّح بجسده… فينفصل البط الأسود عن الأبيض، دون حتى أن يفهم لماذا!

تمامًا كما يحدث حين يُقال لنا:

أنت كردي/ عربي/ سرياني/ آشوري…؟! اجلس هناك!

أنت علوي/ درزي/مرشدي/ إسماعيلي؟ هذا ركنك!

أنت سني؟ لا تختلط!

أنت مثقف؟ ابقَ في الظل!

أنتِ امرأة؟ لا ترفعي صوتك!

نُطيع! دون عضّة، دون قانون، دون سياط!

يكفي أن يتحرّك كلب السلطة بنظرة واحدة… فينقسم المجتمع طواعية، ويبدأ كل لون بلعن اللون الآخر، واتهامه بالخيانة!

هل يعرف البط أنه “أسود”؟

لا!

تمامًا كما لا يعرف الطفل أنه “شيعي” أو “سني” أو “مسيحي”، إلا إذا نبح في أذنه المجتمع منذ المهد، وعلّمه أن عليه أن ينتمي… أو يُنفى!

البط لا يدرك لونه… لكنه يجد راحة في التشابه، وقلقًا في الاختلاف!

وهكذا نحن… نرتمي في حضن القبيلة، لأن الاختلاف يحتاج شجاعة، والشجاعة تحتاج حرية، والحرية تمّت تصفيتها منذ زمن بعيد!

سلوك البط مرآة للإنسان!

لا نحتاج إلى عنف لكي نُعزل!

لا نحتاج إلى وعي لننحاز!

لا نحتاج إلى قوانين لنصنع هويات مغلقة!

يكفي أن نُوجَّه بهدوء… ويكفي أن يُخيفنا كلب ما دون أن يعضّنا!

نولد بيضًا أو سودًا… لكننا نُعزل تدريجيًا، حتى نصدق أن لوننا هو هويتنا!

والأدهى أننا لا نُجبر على العزلة… بل نذهب إليها فرحين، فقط لأننا لا نعرف كيف نعيش بدون من يشبهنا!

نحن لسنا بشراً… نحن بطٌّ مُدرّب!

الفرق الوحيد بيننا وبين ذلك القطيع، أنهم يُعزلون بدقة مدروسة، ونحن نعزل أنفسنا بأيدينا!

ثم نرقص فوق جثث العلاقات المنسية… ونرفع شارات النصر!

لا حاجة لجلّاد ما دامت الضحية تُجلد ذاتها!

ولا ضرورة لمعسكرات فصل عنصري، ما دام كل فردٍ يركض نحو “شبيهه” باحثًا عن دفء زائف اسمه: الانتماء!

الفيديو مثال… والواقع فضيحة!

انشروا الفيديو، لا كمشهد طريف… بل كمثال مرعب!

كلب لا ينهش… لكنه يقرّر!

بط لا يفهم… لكنه يُطيع!

أفراد ينقسمون… بلا وعي، بلا سؤال، بلا مقاومة!

تمامًا كما نعيش!

(الفيديو على صفحتي في الفيسبوك)!