
الأشياء الوحيدة التي ترتفع في الشرق هي: أصابع النصر، الأرجل، والمؤخرات!
كل شيء سقط… القيم، الأخلاق، الكرامة، العقل… ولم يبقَ إلا هذه الرموز العجيبة التي تلوّح في الهواء، كأنها تعلن انتصارًا ما، لا يعرف أحد ملامحه!
الجميع منتصر…
الديكتاتور منتصر لأنه قتل أكثر مما قَتلت الحروب العالمية، والمعارض منتصر لأنه ما زال يصرخ على أطلال وطن محطَّم، والشعب منتصر لأنه لم يمت بعد… على الأقل ليس بالجملة!
منتصرون على ماذا؟!
على الفقر، الجهل، الخراب؟!
على الذلّ الذي التصق بلغة الجسد وبنبرة الصوت وبطريقة الموت؟!
ربما على اللاشيء… وربما على كل شيء يُشعِرهم بأنهم ما زالوا أحياء ولو على قيد الوهم!
في الشرخ الأوسخ، يرفعون أصابع النصر بعد كل مجزرة،
بعد كل انهيار، بعد كل خيانة، بعد كل صفعة يتلقّونها من عدوّ أو “أخ”!
يرفعونها كأنهم يلقون التحية لجلّادهم، أو كأنها طريقة مهذّبة للقول: “اضربنا أكثر… ما زلنا نبتسم!”
إنه الانتصار الشرقي…
ذاك الذي لا يحتاج إلى منجز، ولا مشروع، ولا كرامة حتى!
يكفي أن يبقى القلب ينبض (ولو خوفًا)، والفم يتحرك (ولو بكذب)، والدم ينزف (ولو بلا سبب)… كي تُرفع علامة النصر!
فإن كان هذا هو شكل النصر…
نصر يتلوه خراب، ويُتوَّج بالجوع، وتُؤلَّف له الأناشيد وسط الخرائب…
فكيف تكون الهزيمة يا تُرى؟!
ربما… الهزيمة الحقيقية هي أن تفيق هذه الشعوب ذات يوم، وتدرك أنها لم تكن تعيش نصرًا… بل تعيش إدمانًا جماعيًا للهزيمة، يُسوَّق على أنه نصر!
وهكذا تبقى المؤخرات مرفوعة في وجه الحياة،
والرؤوس منحنية تحت أقدام المستبد…
والأصابع… لا تزال تلوّح بالنصر!